
كتبت لوركا سبيتي
إلى من لا يريد الحرب ويفضّل السلاح
بالأمس، خرج نتنياهو، الذي ما زلتم تتوهّمون أنه شريك محتمل في سلام ما، ليقول بوضوح إنه يفضّل جنكيز خان على السيد المسيح.
ليست زلّة لسان، وليست عبارة عابرة تُقتطع من سياق، بل تعريف كامل لرؤية: تفضيل القتل على المحبة، والبطش على الرحمة، والاستبداد على السلام.
وهنا، لا بد من التوقّف عند المعنى الذي حمله كلامه، لأن المقارنة بحد ذاتها كاشفة: جنكيز خان لم يكن مجرد اسم في كتاب تاريخ، هو إعصار اجتاح مدنًا وأسقط حضارات وترك وراءه مساحات واسعة من الخراب والخوف، حكم بالسيف، وأخضع البشر بالقوة، فبقي اسمه مرادفًا للرعب وسقطت إمبراطوريته كما تسقط كل الإمبراطوريات التي تُبنى على الدم.
في المقابل، المسيح لم يحمل سيفا، بل كلمة، لم يقُد جيوشا بل ضمائر، لم يفرض نفسه بالقوة بل بقي لأنه خاطب الإنسان في جوهره، ولذلك، وبعد آلاف السنين، ما زال حاضرا، كسلطة لها معنى.
ماذا بقي من هذا؟ وماذا بقي من ذاك؟
والآن في زمن تبرر فيها الجريمة يخرج عدوّكم ليقول إنه يفضل الأول على الثاني، فهو لا يعبّر عن رأي، بل يعرّفكم على نوع السلام الذي يريده: سلام يقوم على إخضاعكم لا على التعايش معكم.
ومع ذلك، تأتون لتحدّثونا عن السلام، لا كخيار سياسي يُناقش، بل كخلاص جاهز، كأن الطرف الآخر ينتظر فقط أن نعلن حسن نيتنا ليبادلنا بها. أي سلام هذا الذي يُبنى مع من يعلن إعجابه بالبطش؟ أي سلام مع من لا يرى في الرحمة قيمة؟ أي سلام مع من لا يرى فيكم إلا أقل وأخف وبلا قيمة و مساحة يجب ضبطها وإخضاعها؟
أنتم لا تريدون السلام بقدر ما تريدون النجاة، حتى لو كانت نجاة فردية، مؤقتة، قائمة على التنازل عن كل ما يجعل الإنسان واقفًا. تقولون إن المقاومة عبث، وتصفّقون حين تُنزع عنها الشرعية، وتتحوّلون فجأة إلى قضاة تحاكمون من يقاتل، لا من يقتل.
في زمن السلم، لم نركم تبنون دولة، ولا تفتحون حوارا، ولا تقدّمون مشروعًا، ولا تحلّون أزمة، كلكم ابواق لسادتكم الفسّاد، لأحزابكم، كلكم مؤدلوجون وتابعون لفقيه!!
وفي زمن الحرب، ماشاءالله، تصبحون خبراء، محللون، بل تتفوّقون في التحليل، وتبحثون عن كل ثغرة لتقولوا بسخريتكم المقيتة : ألم نقل لكم؟
هذه ليست وطنية ولا واقعية، هذه تربية نفسية على الهزيمة، تحويل الخوف إلى موقف، ثم محاولة تعميمه كأنه حكمة.
يا جماعة، حتى من هم خارج هذه الأرض، ممن لا يشاركونكم لا دينًا ولا انتماء، يقولون لكم بوضوح: لا تسلّموا سلاحكم لأن إسرائيل ستحتلّكم، وأنتم لا تصدّقون، ونتنياهو نفسه، مرارًا، تحدّث عن مشاريع توسّعية وعن خرائط وعن “إسرائيل أكبر”، وأنتم أيضًا لا تصدّقون، لكنكم تصدّقون فكرة واحدة فقط: أن المقاومة هي المشكلة…
تعلنونها مجموعة مسلّحة غير شرعية وتصفّقون، كأنكم تحذفون الخطر بقرار، أو تمحون العدو بتوصيف، كأن الكلمات قادرة على تغيير الوقائع. هذه ليست شجاعة، بل خيانة مدفوع ثمنها لكم.. ولو اردت ان اكون لطيفة سأقول انه إنكار، والإنكار في زمن الحرب ليس حيادًا، بل موقع.
أنتم لا تواجهون الحرب، أنتم تحاولون تبريرها وشرحها واجترار اسباب بلهاء ، لكن الحرب ليست ببساطة ثرثراتكم ولا تختفي لأنكم لا تريدونها، ولا تتراجع لأنكم ترفضون تسميتها.
الشعوب لا تُهزم فقط حين تُقصف، بل حين تقتنع أنها مهزومة، وأنتم، بوعي أو بدونه، تعملون على هذه الجبهة تحديدًا، جبهة المعنويات، الجبهة التي تسبق السقوط الحقيقي.
ولكنكم غفلتم انكم تتحدثون إلى ناس تعرف الحرب، وتعرف عدوها جيدا بفطرتها، ناس عاشت القصف والنزوح والخسارة ثم عادت، ناس تعرف أن المقاومة ليست وعدًا بالنصر السريع، بل رفضًا للزوال.
وأخشى ما أخشاه، لا عليكم بل علينا جميعًا، أن يأتي يوم تتأمّلون فيه وجوهكم، لا لتسألوا لماذا لم تروا ما كان واضحًا إلى هذا الحد. يومها لن تنفع كل هذه التحليلات، ولن يبقى من كل هذا الكلام إلا سؤال واحد: هل كنّا نريد السلام… أم كنّا نهرب من الحقيقة؟
الوهم، في زمن الحرب،
ليس خيالا ولا قصيدة…
بل طريق مختصر إلى مدفن الوطن!!
#لوركا_سبيتي



