
تمضي الحكومات، في مختلف أنحاء الخليج، قدمًا باستثمارات مكثفة في مجال الذكاء الاصطناعي، غير أن الفارق الجوهري يكمن في الكيفية التي تختار بها كل دولة تطوير هذه القدرة الاستراتيجية.
وفي حين فضّلت بعض الحكومات تركيز البيانات وقدرات الحوسبة، ضمن عدد محدود من المنصات الوطنية، بما يتيح التحرك بسرعة وعلى نطاق واسع، اتجهت حكومات أخرى إلى نموذج أكثر توزيعًا، يدمج الذكاء الاصطناعي عبر الوزارات والقطاعات المختلفة، مع فرض رقابة دقيقة على آليات الاستخدام. والمعادلة هنا واضحة: إما تسريع وتيرة التنفيذ عبر تحكم مركزي، أو التقدم بخطوات أكثر حذرًا عبر أنظمة مستدامة طويلة الأمد.
ما يجمع الإمارات والسعودية وقطر والبحرين وسلطنة عُمان والكويت، قناعة مشتركة بأن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، في عالم تُبنى فيه القدرات الذكية على البيانات وقوة الحوسبة، يمثل نقطة ضعف استراتيجية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة اقتصادية، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في طريقة عمل الحكومات، وتقديمها للخدمات، وإدارتها للمخاطر والإخفاقات.
هذا التحول، من تشجيع التبني إلى تقليل الاعتماد، شكّل نقطة انعطاف محورية. ومع شروع صناع القرار بطرح تساؤلات حول ما ينبغي تطويره والتحكم فيه محليًا، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه سياسة تقنية إلى التأثير في صميم قدرات الدولة، حسب بيتر ماليوكوف، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة (dTelecom).
حكومات ذكية
تبنّت الإمارات رؤية شاملة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه بنية تحتية، ودمجته مباشرة في آليات عمل الحكومة، بدلًا من التعامل معه كمبادرة منفصلة. ومنذ تعيين أول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017، رسّخت الدولة مفهوم التقنية كقدرة شاملة للدولة، تُطبَّق عبر مؤسساتها كافة.
ويتجلى ذلك عمليًا بدعمه اليوم أكثر من 100 خدمة حكومية، بما أسهم في تقليص أوقات الاستجابة، وإعادة صياغة تجربة تفاعل المواطنين مع مؤسسات الدولة. كما أصبحت منصات مثل “الهوية الرقمية– UAE Pass” تمثل طبقات رقمية أساسية لتقديم الخدمات العامة، لتحل الهوية الرقمية الدائمة محل الإجراءات الورقية التقليدية.
ولا يقتصر الطموح على إعادة الهيكلة الإدارية. ففي عام 2025، خصصت أبوظبي 3.5 مليار دولار للبنية التحتية السحابية السيادية والذكاء الاصطناعي، بهدف التحول إلى حكومة تعمل بالذكاء الاصطناعي كليًا بحلول عام 2027. كما اتخذت دبي خطوات متقدمة في رقمنة المنظومة القضائية، إذ تُدار الآن معظم القضايا رقميًا، مع توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث القانوني وإدارة القضايا.
في حين تُعزَّز هذه الاستثمارات برهانات طويلة الأمد على البحث وتنمية المواهب، تشمل: تطوير نماذج مفتوحة المصدر في معهد الابتكار التكنولوجي، وبناء القدرات المؤسسية من خلال جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.
استراتيجيات الذكاء الاصطناعي في دول الخليج
تعطي السعودية الأولوية للمركزية والتنسيق الوطني. وتتولى الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مواءمة معايير البيانات والبنية التحتية والتنفيذ على نطاق واسع، ما يسمح لقطاعات كاملة بالتحرك على التوازي. وتعكس الاستثمارات في نماذج اللغات السيادية للذكاء الاصطناعي، ومنصات البيانات الوطنية، والحوسبة عالية الأداء، استراتيجية قائمة على توسيع نطاق السيطرة عبر التوسع.
كما تُرسي الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي أهدافًا واضحة لعام 2030، من بينها تدريب أكثر من %40 من القوى العاملة على المهارات الأساسية في الذكاء الاصطناعي، وتأهيل 20 ألف متخصص في مجالي البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتدعم هذه الأهداف كيانات وطنية مدعومة من الدولة، عبر استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية الحاسوبية. في حين تُطوّر المملكة نماذج أساسية سيادية، من بينها: نموذج اللغة العربية الضخم (علّام) بالتوازي مع شراكات دولية لتسريع بناء البنية التحتية. ويعكس هذا النهج توازنًا بين تطوير القدرات المحلية والانخراط في تعاون استراتيجي، بدلًا من السعي إلى اكتفاء ذاتي كامل.
في المقابل، تبنّت قطر مسارًا أكثر انتقائية. فبدلًا من التطبيق واسع النطاق، يجري دمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات محددة يمكن قياس أثره فيها بدقة، كالرعاية الصحية والطاقة والإدارة، مدعومًا باستثمارات في الحوسبة عالية الأداء، وشراكات تخضع لحوكمة دقيقة.
وقد أطلقت قطر أول استراتيجية وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي عام 2019، ثم دشنت في عام 2024 الأجندة الرقمية 2030 لتوجيه المرحلة التالية من التحول.
ومؤخرًا، أعلنت قطر عن مشروع مشترك بقيمة 20 مليار دولار للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بين شركة (Qai) التابعة لجهاز قطر للاستثمار، وشركة (Brookfield Asset Management) لتوسيع قدرات الحوسبة عالية الأداء.
تكمن ميزة قطر في الدقة والانضباط المؤسسي؛ إذ تُصمم أنظمتها لتكون قابلة للتدقيق، وآمنة ومخصصة للغرض المقصود، ما يجعلها بيئة اختبار جاذبة لعمليات تطبيق منظمة وعالية الموثوقية. غير أن التحدي يتمثل في محدودية الشمول، أي التحرك بوتيرة حذرة في وقت يسعى فيه آخرون إلى صياغة المنصات والمعايير.
أما البحرين، فقد ركزت على تطوير الأطر التنظيمية وتعزيز كثافة المواهب، لتعويض محدودية الحجم. بينما تعطي الكويت أولوية لتطوير البنية التحتية الذكية وقابلية التشغيل البيني بين الأنظمة. وتركز عُمان على الجوانب الأخلاقية والتكامل القطاعي، مفضلة ترسيخ الثقة طويلة الأمد على التسارع السريع.
الاعتمادية مقابل الاستقلالية
في المحصلة، لا يمثل رهان دول الخليج على الذكاء الاصطناعي سباقًا تقنيًا، بقدر ما هو خيار سيادي يتعلق بالتوجيه الاستراتيجي. فالموقع الذي تختار فيه كل دولة رسم الحدود بين الاستقلالية والاعتمادية، لا يحدد مخرجاتها الاقتصادية فقط، بل قدرتها على الصمود في بيئة عالمية متقلبة.
كما لن تكون الأنظمة الأكثر تأثيرًا هي الأكثر رواجًا أو انتشارًا، بل تلك التي تتميز بالموثوقية والاستقرار، ما سيحدد ملامح دولة تعتمد الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في السنوات القادمة، متجاوزًا حتى عامل السرعة أو حجم الانتشار.



