عظة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي الجمعة العظيمة بكركي

 

مات المسيح مصلوبًا بإرادته الحرّة من أجل خلاص العالم وفداء الإنسان. هذه الجملة تختصر إيماننا المسيحي. لكننا نقف برهبة وصمت أمام لقاء الظلم البشري والمحبة الإلهية، في هذه الجمعة العظيمة، التي مات فيها ربنا يسوع لفدائنا، فلنصغِ إلى هذا المعلّم الإلهي يلقي علينا من على عرش صليبه آخر تعليم له هو بمثابة خلاصة تعليمه ووصيّته الأخيرة بسبع كلمات:

الكلمة الأولى: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟” (متى ٤٦:٢٧). هي صرخة الألم الإنساني العميق، حيث دخل يسوع في عمق معاناة الإنسان ووحدته. ليست صرخة يأس، بل اختبار الوحدة في الألم التي يعيشها المتألّم. إنّها تكشف أن الله يرافق الإنسان حتى في أقسى لحظات الألم، حتى عندما يبدو كل شيء صامتًا.

الكلمة الثانية: “اليوم تكون معي في الفردوس” (لوقا ٤٣:٢٣). هي كلمة رجاء تُفتح فيها أبواب السماء للخاطئ التائب في لحظة صدق. إنها تعلن أن الرحمة الإلهية أقوى من الخطيئة، وأن النهاية يمكن أن تتحوّل إلى بداية. فالله ينتظر الإنسان حتى في آخر لحظة ليعطيه الحياة.

الكلمة الثالثة: “يا أبتي اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون” (لوقا ٣٤:٢٣). هي كلمة الغفران في قلب الألم، تكشف أن المحبة لا تنتقم بل تسامح، والغفران قوة حب لا ضعف. إنها تدعونا إلى أن نغفر كما غفر المسيح، وأن نحمل الرحمة حتى في أصعب الظروف. فالرحمة هي منطق الله.

الكلمة الرابعة: “يا أبتاه في يديك أستودع روحي” (لوقا ٤٦:٢٣). هي كلمة ثقة وتسليم كامل لمشيئة الله حتى في لحظة الموت. إنّها تعلّمنا أن نضع حياتنا بين يدي الله، لأن فيه الأمان الحقيقي. وأنّ الإيمان الحقيقي هو أن نثق بالله حتى في الظلمة، وأن نؤمن أنّ النهاية بين يديه حياة.

الكلمة الخامسة: “يا امرأة هذا ابنك، يا يوحنا هذه أمك” (لوقا ٢٦:١٩). في لحظة ألم يسوع وأمّه مريم، كألم المخاض، يعطي يسوع البشرية أمًّا بشخص يوحنا الذي يمثّل كل إنسان والبشرية جمعاء. إنها تعلن أنّ الكنيسة وُلدت من الصليب، وأننا أبناء في عائلة واحدة

الكلمة السادسة: “أنا عطشان” (يوحنا ٢٨:١٩). هي العطش للحب وللخلاص، عطش الله إلى الإنسان وقلبه، إلى خلاصه وحبّه. إنها تكشف أنّ المسيح ما زال يطلب محبتنا واستجابتنا لدعوته.

الكلمة السابعة: “لقد تم كل شيء” (يوحنا ٣٠:١٩). لقد اكتمل عمل الفداء وتمّم يسوع مشروع الله الخلاصي. إنها تعلن أنّ الحب الذي بُذل حتى النهاية هو انتصار الحياة على الموت. الكلمة الأخيرة هي للحياة.

وهكذا، بكلماته السبع، اختصر يسوع رسالته، رسالة حب، رسالة غفران، رسالة رجاء، رسالة خلاص.

2. في هذا اليوم، تعيش الكنيسة صمتًا مهيبًا، ساجدةً أمام الصليب في تأمل عميق. الليتورجيا ليست كلمات، بل حضور، وقفة أمام سرّ الفداء، ودخول في عمق هذا الحب الذي غيّر وجه العالم. في يوم الصليب، لا يمكن أن نفصل بين هذا السرّ وبين واقعنا في لبنان. يسوع الذي صُلب ظلمًا، يقف اليوم أمام كل ظلم، أمام كل اعتداء، أمام كل كرامة تُنتهك، وأمام كل إنسان يتألم ويموت ويُقتل بصمت

3. وطننا اليوم، يحمل صليبه، يحمل جراحه، يحمل أوجاعه، ويعيش واقعًا مليئًا بالاعتداءات التي تمس أرضه وكرامة أبنائه، ومليئًا بالحرب المفروضة علينا من الداخل والخارج، من حزب الله وإسرائيل. وهنا يصبح الصليب مرآة لما نعيشه: ألم… نعم، ظلم… نعم، صمت… نعم، لكن أيضًا وخاصّةً… رجاء. هذه كلمتنا لأهلنا المشرّدين، ولأهلنا الصامدين في قراهم. ونذكّر بواجب ترك ممرّات إنسانية لتمرير المواد الغذائية والأدوية والحاجات الأساسية إليهم. وذلك بموجب القوانين الدولية ولا سيّما إتّفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 في موادها 43 و55 و56 و59؛ وبموجب البروتوكول الإضافي الأول للعام 1977 في مادتيه 54 و70؛ وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 1701 في مادته 11 (د).

 

الصليب لا يبرر الألم، بل يكشف معناه، ولا يبرر الظلم، بل يفضحه، ولا يقود إلى اليأس، بل يفتح باب القيامة. في هذا اليوم، نُدعى ألّا نستسلم، ألّا نقبل بأن يصبح الألم قدرًا، ألّا نعتاد الظلم، ألّا نصمت عندما تُمسّ الكرامة وقدسية الحياة البشرية.ضش

من على الصليب، أعلن يسوع أن الحب أقوى من العنف، وأن الحق لا يُدفن، وأن الظلمة لا تدوم. وهكذا، في وسط ما نعيشه، نحن مدعوون أن نكون صوتًا للحق، وشهودًا للرجاء، وحملة نور في زمن الظلمة هذه التي تلفّنا بزنّار الحزن والوجع. إن الصليب ليس نهاية وطن، بل بداية تحوّل، بداية قيامة، بداية حياة جديدة تُبنى على الحقيقة والمحبة.

4. إنّنا نقف اليوم أمام الصليب، أمام الحب الذي لا يُقاس، أمام يسوع الذي مات ليعطينا الحياة. فلنصرخ معًا في عمق هذا اليوم: يا رب، في يوم صليبك، علّمنا أن نفهم حبك، وأن نحمل صليبنا بإيمان، وألا نخاف الألم. في هذا العالم المجروح، كن أنت رجاءنا، كن نورنا، كن قوتنا. وفي هذا الصمت العظيم، نؤمن أن الموت ليس الكلمة الأخيرة، وأن القبر ليس النهاية، بل بداية حياة. آمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى