
انتهت جولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد من دون التوصل إلى اتفاق، في مشهد يعكس تعقيد الملفات المطروحة وتشابك المصالح، من البرنامج النووي إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز. وبين روايات متضاربة من الطرفين، يبقى السؤال الأبرز: هل نحن أمام عودة إلى المواجهة العسكرية أم أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحًا؟
وبحسب تقرير للصحافي ليؤور بن آري في موقع يدعوت احرونوت، أعلن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس أن بلاده أبدت “مرونة كبيرة” خلال المحادثات التي استمرت 21 ساعة، إلا أن المفاوضات تعثرت بسبب رفض إيران تقديم التزام واضح بعدم السعي إلى تطوير سلاح نووي. وقال فانس: “نحن بحاجة إلى الحصول على تعهد بأنها لن تسعى إلى ذلك”.
في المقابل، قدّمت طهران رواية مختلفة عبر وسائل إعلام مرتبطة بالنظام، مشيرة إلى أن الخلافات لم تقتصر على الملف النووي، بل شملت أيضًا قضايا إضافية مثل مضيق هرمز وحق إيران في تخصيب اليورانيوم.
وفي ما يتعلق بمطالب كل طرف، لم يفصّل فانس بشكل كامل ما طلبته إيران، لكنه أكد أن طهران “اختارت عدم قبول الشروط الأميركية”، مشيرًا إلى “ثغرات في المفاوضات”. أما في الجانب الإيراني، فقد اتهمت وسائل إعلام مقربة من النظام الأميركيين بطرح “مطالب غير معقولة”، من بينها رفض منح إيران دورًا في إدارة مضيق هرمز أو فرض رسوم على المرور فيه، وهو ما تعتبره واشنطن أمرًا غير مقبول.
وكشفت مصادر إيرانية لصحيفة “نيويورك تايمز” أن نقاط الخلاف الأساسية شملت فتح مضيق هرمز، والتعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، إضافة إلى مطالبة طهران بالإفراج عن أصول مالية مجمدة بقيمة 27 مليار دولار. ووفق هذه المصادر، طالبت الولايات المتحدة بفتح فوري للمضيق، في حين اشترطت إيران تنفيذ ذلك ضمن اتفاق نهائي شامل. كما رفضت واشنطن الإفراج عن الأموال، بينما أفادت المصادر بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طالب إيران بنقل أو بيع كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو ما قوبل برفض إيراني رغم تقديم طهران عرضًا مضادًا لم ينجح في كسر الجمود.
ورغم فشل الجولة، لا يبدو أن الطرفين يتجهان فورًا إلى التصعيد العسكري. فقد أشار المحلل العسكري الاسرائيلي رون بن يشاي إلى وجود مصلحة مشتركة قوية لدى الجانبين في الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش، إضافة إلى رغبة أكبر في استنفاد فرص التفاوض، وهو ما سمح أساسًا بعقد هذه الجولة المباشرة.
فانس، الذي غادر إسلام آباد دون التلويح بالحرب، أكد أن العرض الأميركي “لا يزال على الطاولة”، واصفًا إياه بأنه “الاقتراح النهائي والأفضل”، مضيفًا: “سنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه”.
في المقابل، بدت المواقف الإيرانية متباينة، حيث نقلت وكالة “فارس” عن مصدر مطلع على فريق التفاوض أن طهران لا تخطط حاليًا لجولة جديدة من المحادثات، بينما شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية على أن “الدبلوماسية لن تنتهي”، مؤكدًا أن بعض التفاهمات تحققت، رغم استمرار الخلاف على “2 أو 3 قضايا رئيسية”.
وأوضح المتحدث أن إدراج ملفات جديدة، مثل مضيق هرمز والتطورات الإقليمية، ساهم في تعقيد المفاوضات، مشيرًا إلى أن هذه الجولة كانت الأطول حتى الآن، وأن الاتصالات والمشاورات مع باكستان ودول أخرى في المنطقة ستستمر.
وفي السياق ذاته، دعت باكستان الطرفين إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار القائم منذ أسبوعين، حيث قال وزير خارجيتها إسحاق دار: “من الضروري أن يواصل الطرفان احترام التزاماتهما”، مؤكدًا أن بلاده ستواصل لعب دور الوسيط في المرحلة المقبلة.
أما في إسرائيل، فقد أشارت تقارير إلى الاستعداد لتنفيذ هجوم واسع يستهدف بنى تحتية ومنشآت طاقة، في مؤشر على أن المسار العسكري لا يزال حاضرًا في الحسابات الإقليمية.
وبين تمسك واشنطن بشروطها وتشدد طهران في ملفات السيادة والاقتصاد، تبدو المفاوضات عالقة عند مفترق حساس، حيث يتداخل التفاوض مع ميزان الردع، ويظل الخيار العسكري قائمًا لكنه مؤجل، بانتظار جولة جديدة قد تحدد اتجاه المرحلة المقبلة.



