تجار بيروت يلملمون خسائر الحرب البشرية والمالية

لم يكن يخطر في بال زملاء الشهيد نادر خليل الذي كان يتمنى عبر ستاتوس واتساب، انتهاء الحرب، أنه سيموت في يوم “الأربعاء الأسود” الذي استهدفت فيه إسرائيل بيروت، وتحديدًا على ماكينة البن التي تفانى أكثر من 30 عامًا بالعمل عليها بضحكة لا تفارق وجهه في المحمصة حيث كان يعمل.

موت خليل، خسارة بشرية، لعائلته ورفاقه وزملائه وللمحمصة، التي تعرضت لأضرار قد تعوض بالحجر، ولخسارة بموت أحد أقدم موظفيها، بالبشر، وهي من بين مؤسسات تجارية عدة في بيروت، كانت خسائرها المادية فادحة. مؤسسات يهمس أصحابها اليوم: هل تشملنا تعويضات الهيئة العليا للإغاثة؟

لكن الدورة الاقتصادية نفسها في بيروت، تعرضت لانتكاسة شملت غالبية المؤسسات التجارية عدا القطاعات التي نشطت بفعل الحرب. فحتى المؤسسات التجارية التي لم تتعرض لضربات مباشرة، تأذت بنتائج الحرب. ووفق عدد من تجار الجملة والمفرق في العاصمة، فقد قدروا في حديث لـ “نداء الوطن” خسارتهم بنسبة تتراوح بين 20 إلى 25 %. بل أن بعضهم، بدأ جديًا التفكير بإقفال فروع بشكل نهائي في مناطق قريبة من الضاحية، سعيًا للإانتقال إلى أماكن “أكثر أمانا”.

فكيف تراوحت خسائر المؤسسات التجارية؟ وكيف أثرت حرب أميركا وإيران على كلفة الشحن؟ وكيف يستمر موظفو المؤسسات النازحون بالعمل؟ وماذا يكشف الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي لـ “نداء الوطن” عن إمكانية تعويض التجار المتضررين مباشرة ممن دمرت مؤسساتهم جزئيًا أو بالكامل في بيروت؟

المحمصة تودع “بائع البن”

نعود بالذاكرة لليوم المشؤوم في بيروت، المعروف بـ “الأربعاء الأسود” حيث طالت 7 ضربات في يوم واحد، بيروت الإدارية، وإلى الضربة الأعنف: ضربة كورنيش المزرعة.

خسائر المحمصة الملاصقة للهنغار والمبنى المستهدفين، كانت فادحة على مستوى الحجر، لكنها كانت أقسى ولا تعوض على مستوى البشر، مع استشهاد الموظف نادر خليل، الذي قضى أكثر من 30 عامًا في هذه المؤسسة، لتكون فعلا “منزله” حتى الرمق الأخير…

نادر “المحبوب” كان المسؤول عن ماكينات البن. يصف الزملاء مأساة رحيله بعبارة “مات مطرح ما كان يشتغل على ماكينة البن”، ويروي أحد الزملاء لحظات الضربة “ضهرنا كلنا كموظفين من المحل، أنا قلت رح إضهر ما رح لاقي بيروت، ضهرنا لقيت سواد مش عادي، سواد أكتر من السواد اللي منعرفه… لون ما بعرف أوصفه”.

في هذه اللحظات، شوهد خليل يقف على باب المحمصة، قبل أن يختفي قرابة ساعة ونصف، ويعتقد رفاقه أنه غادر، قبل أن تظهر كاميرات المراقبة أنه كان في الداخل، تحت ردم دمار المحمصة.

وعن حزن الموظفين على وفاة زميلهم، يعلق أحدهم بالقول “صعبة، في موظفين ما قدروا يشوفوا الجنازة لا سيما اللي قضوا معو سنوات طويلة”، مضيفًا “كان أكثر شخص يتمنى انتهاء الحرب سيما وأن بيته في الضاحية واضطر للنزوح قسرًا ووالدته مريضة”.

“شوبان” والأضرار المادية المباشرة: من يعوض؟

محل شوبان chopin للحلويات، تعرض فرعاه في بيروت للضرر، لكن الأضرار الفادحة كانت من حصة فرع كورنيش المزرعة.

ففرع مار الياس تأثر بضربة مار الياس، وكانت غالبية الخسائر على مستوى واجهات الزجاج الخمس التي سويت بالأرض، إلا أن الدمار الشامل كان في كورنيش المزرعة وهو الفرع الذي يغذي كل الفروع، وفيه معمل الإنتاج، يقول صاحب المحل، كامل إسماعيل، واصفًا أضرار كورنيش المزرعة بأنها شملت كل شيء: الزجاج، السقف، خلفية الجدران من الخلف، موتورات الكهرباء، والسيارات، لكن “الحمدلله لم يتضرر أي موظف”.

وعما إذا كان قد تم التواصل معه لجهة أي تعويضات، يعلق “ما حدا قلنا الحمدلله عالسلامة… جابولنا فاتورة الكهرباء اليوم، للأسف شيء مضحك”، ويستطرد “ما حدا حكانا ولا حدا دق بابنا ولا حدا سأل عنا ولا شي أبدًا”.

ويسأل “كيف لا يتم شملنا بالتعويضات بشكل مؤكد؟ بأي حق؟ فالبناية صارت عالعضم كلها من الخلف وسيارة الشغل راحت وموتورين كهرباء، والسيارة الخاصة”، معلقًا “الحمدلله بعدنا عايشين وع أمل الدولة تشتغل بضمير معنا ودون تمييز”.

الإبقاء على فروع المناطق الآمنة

وعن كلفة خسائر “مؤسسة عبد طحان”، يشير توفيق طحان، إلى أنها تعود لحرب العام 2023، “فالمبنى وقع بالكامل حيث يقع مستودعنا في صور”. أما في الحرب الأخيرة، فقد أفرغنا كل البضاعة من محلنا في منطقة الغبيري، حيث الإنذارات الإسرائيلية ضمن الضاحية. أما فرعنا في منطقة الجناح التي طالتها الإنذارات قبل وقف إطلاق النار، فقد تأثر بشدة، حيث انخفضت فيه المبيعات بنسبة 60 %، وهو أهم فرع لدينا.

والخسائر لم تقتصر على الأماكن غير الآمنة: من إقفال الفروع إلى نقل البضاعة أو خسائر المبيعات، بل إن الشحن نفسه، شكّل خسارة على صعيد ارتفاع الكلفة على وقع الحرب الإيرانية الأميركية وتهديد مضيق هرمز كشريان حيوي أساسي في المنطقة وفي التجارة العالمية.

ويشرح طحان “شحن البضاعة ارتفع كما كلفة التأمين في الحرب (war insurance)، بل إن كلفة البضاعة ارتفعت من بلد التصدير، قبل الشحن في أوروبا والصين، هذا ومسار الشحن أيضًا تأثر، إذ تأخر وصول البضائع لشهرين، بعدما باتت البواخر تمر من رأس الرجاء الصالح كتعويض عن ممرات أخرى بسبب الحرب الدائرة إقليميًا.

وبالنسبة المئوية، يصف الضرر بالكبير: العمل بالجملة تراجع 50 %، فيما العمل بالمفرق تراجع قرابة 25 %، عازيًا الفارق، إلى أن “البيع بالمفرق في المناطق الآمنة عوّض لنا خسائر الفروع في المناطق الأخرى”. وإذا كانت نسبة الخسائر في المبيع عمومًا تقدر بـ 25 %، فإننا تراجعنا عن الـ target أو الهدف الذي وضعناه لأنفسنا بنسبة 50 %، يقول طحان.

إلا أن أزمات المؤسسات لا تقاس بالأزمات المالية وحسب. فماذا عن الموظفين النازحين؟

موظفو المؤسسات التجارية: نازحون أيضًا

في مقابل الخسائر، بقيت كلفة التشغيل ثابتة على صعيد الإيجارات ورواتب الموظفين. يعلّق طحان “إذا كانت لدي أزمة كصاحب عمل، فأزمة الموظف أكبر ورغم خساراتنا نرفض المساس براتبه”.

ومن أزمات الموظفين في الحرب، أن بعضهم من سكان المناطق غير الآمنة. فبعض الموظفين نزحوا قسرًا، من هنا “سعينا لتأمين سكن لعدد من موظفينا ليس لضمان استمرارية العمل وحسب بل أيضًا على المستوى الإنساني، فهؤلاء عائلاتنا: أشخاص نراهم كل يوم ونعمل معهم، ولا يمكننا التفرج على مصيبتهم دون دعمهم”.

هيئة الإغاثة: لتسجيل الأضرار

وأعلنت بلدية بيروت، الإخلاء الموقت لعقارات عدة، في عين المريسة رأس بيروت المصيطبة والمزرعة، على أن ينفذ التدعيم الإنشائي لهذه العقارات على نفقة الهيئة العليا للإغاثة، وتؤمن لسكان تلك المباني بدلات إيواء.

نسأل الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي، عن المباني المحيطة التي تضررت أضرارًا جسيمة، وما إذا كان سيشملها أي تعويض، فيوضح “أننا نعوض بناء على التقرير الهندسي لدى بلدية بيروت، وتوجيهاتها بالتدعيم الإنشائي للمباني، والتقارير تصدر تباعًا وتستلزم أحيانا فحوصات مخبرية على الباطون والحديد، ونذهب نحو التدعيم الإنشائي إذا لزم. ويكمل “فالأضرار فادحة ونتبع سياسة التدرج بالحل وفقًا لتوفر الأموال، إذ أن تعويض كل المباني المتضررة بين الضرر الخفيف والمتوسط، يحتاج اعتمادات كبيرة والخطوة الأولى هي لتدعيم المباني المحتاجة للتدعيم الإنشائي”.

وعن المؤسسات التجارية تحديدًا، يوضح أنه منذ حرب العام 2006 لم يحصل تعويض للمؤسسات التجارية، لكن هذه المرة بقي باب التعويض مشرعًا، وغير مقفل بالكامل، فالحديث اليوم هو عن إحصاء صاحب العلاقة الضرر، كي يصار لتعويضه مستقبلا، في حال توفر الأموال لذلك.

ونسأله تحديدًا عن حالة مؤسسة شوبان chopin، الواقعة ضمن عقار طُلب إخلاؤه لتدعيمه. يقول “إذا كانت المؤسسة ضمن مبنى يحتاج تدعيمًا إنشائيًا، لن نفكر بطبيعتها مؤسسة أو منزل، أي أنه بطبيعة الحال سيشملها التدعيم كجزء من المبنى”.

اقتصاد الغذاء ينشط

بعض المؤسسات التجارية العاملة ضمن منطقة الجناح، وغيرها من المناطق المحيطة بالضاحية الجنوبية، بدأ جديًا يطرح سيناريوات الإقفال والانتقال بفروعها إلى مناطق أخرى لصعوبة الدفع لموظفيها في حال عادت الحرب لتطول إنذاراتها هذه المناطق.

لكن مقابل خسائر الشريحة الأكبر من التجار، نشط عمل المؤسسات الغذائية في الأماكن الآمنة حيث النزوح، في حين أن التحدي الأكبر للمؤسسات التجارية اليوم، هو الاستمرارية بأقل خسائر ممكنة، والتشبث بأمل انتهاء الحرب قريبًا، وبتعويض المؤسسات المتضررة بشكل مباشر.

وفي بيروت التي لم تنهض بعد من تداعيات انفجار مرفأها وانهيارها الاقتصادي، لا تُقاس خسائر الحرب فقط بخسائر “الحجر” للمؤسسات التجارية وضبابية فرصة التعويض، أو بالخسائر المالية الحالية، إنما بتراكم الأزمات من انهيار اقتصادي إلى حروب إسناد، ليصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: متى يعود هذا القطاع الحيوي الذي يشغّل عمالا وينتج دورة اقتصادية، للنهوض بكامل قواه من جديد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى