
إنه مشهد حب الحياة وثقافة الفرح في مساحة ضيقة محصورة ضمن لوحة زيتية على قماش للفنان التشكيلي اللبناني “شهيد رغيف الخبز” ابراهيم مرزوق من العام ١٩٦٧، من مقتنياتي، وهي تمثّل لقاء الأحبة في أحضان الطبيعة اللبنانية وسط أجواء الفرح والمرح والخبز والملح والخمر، في Pick Nick الحياة حيث تلتقي أنغام الموسيقى والغناء لتجسّد ثقافة هذه الحياة التي يلوّنها شغف العيش بسلام وصفاء ونقاء على الرغم من الغيوم السوداء التي تمرّ وتضمحل وتختفي في سماء لبنان الذي ما زال ينزف ويدفع أثماناً باهظة لحروب الآخرين على أرضنا.. وتظل شمس العدل والحق تتلألأ في عليائها تنشر نورها على الأخيار والأشرار على الأرض التي يحتفل على ترابها أهل المحبة بالحياة التي يعيشونها بملئها مع الله الذي يعبدونه حق العبادة !
سقط ابراهيم مرزوق شهيداً على قارعة طريق وعرة، استمطرها الغرباء بوابل حقدهم من مرابض المؤامرة الشيطانية، فيما كان ينتظر في الطابور دوره للحصول على ربطة خبز، في ذلك اليوم المشؤوم من العام ١٩٧٥ حيث اندلعت الحرب التي ما زالت فصولها مستمرة وكأن حلقات مسلسل القتل والتدمير والتهجير والتشتيت والتنكيل لم تصل إلى خواتيمها بعد، ذلك لأن الكاتب لم يكتب آخر مشهد للنهاية المنتظرة والمخرج لم يجد بعد الحبكة المناسبة لنهاية هذا المسلسل الدرامي الطويل الذي يشاهده العالم بأسره متفرجاً على الضحايا يسقطون بالعشرات والمئات تحت وابل الأحقاد والشرور التي تضرّج الأرض بالدماء، وتلطّخها بالدخان الأسود، بفعل أسلحة ونيران الايديولوجيات التدميريّة.. وفيما الضمير العالمي يرى الجثث تنتشر على جسد الوطن المشلع، فوق الأنقاض وتحتها، وعلى مقربة من قصور العدل، نصغي إلى صوت الله في داخلنا، ونسمع في سكون الطبيعة، وشوشات النسائم العليلة، وزقزقات العصافير الهانئة، وطنين النحل المجتهد، وخرير الجداول النقية،.. ونصغي، على قمة التجليات الروحية، إلى سمفونية فرح الطبيعة التي يقودها خالقها من ملكوته الذي نتوق إليه، توقنا إلى حب الحياة والوطن والإنسانية… ونفرح بالخالق واهب الحياة مبدع الاكوان والمخلوقات ونشكره على نعمة الحياة ونمجّده، ضارعين إليه أن يمنحنا سلامه الذي لا يستطيع أحد أن ينزعه منّا.. ولا سلام إلا به ومعه.. ونظل نسمع صوت الله الذي يعلو كل أصوات النشاز، كيف لا وهو صوت المحبة الذي يبدّد أصوات الحقد في هذا العالم الذي يتحكّم به سلاطين السياسات العمياء، الجوفاء والهوجاء !
رحل ابراهيم مرزوق في ريعان العمر وعزّ الزخم الفني والعطاء الإنساني. انتقل الى المقلب الآخر قبل أن ينتقل إلى لوحة أخرى يفيض عليها من شلّال روحه ويوقّعها لتبقى آية حب من آيات قلبه الكبير كبر الكرامة.. واستحق قصيدة صاغها الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش برهافة حسّه ورشاقة كلماته الوجدانية، وقد قدّمها إلى شهيد رغيف الخبز ابراهيم مرزوق، واضعاً لها عنوان: قصيدة الخبز!
فلنقرأ ما قال فيه:
كان يوماً غامضاً …
تخرج الشمس إلى عاداتها كسلى
رماد معدنيّ يملأ الشرق ..
و كان الماء في أوردة الغيم
و في كل أنابيب البيوت
يابسا
كان خريفاً يائساً في عمر بيروت
و كان الموت يمتدّ من القصر
إلى الراديو إلى بائعة الجنس إلى سوق الخضار
ما الذي أيقظك الآن
تمام الخامسة ؟
كان إبراهيم رسّام المياه
و سياجاً للحروب
و كسولاً عندما يوقظه الفجر
و لكنّ لإبراهيم أطفالاً من الليّلك و الشمس
يريدون رغيفاً و حليب
كان إبراهيم رسّاماً و أب
كان حيّاً من دجاج و جنوب و غضب
و بسيطاً كصليب
المساحات
صغيره مقعد في غرفة . لا شيء … لا شيء
و كان الرسم بالماء وطن
و التفاصيل لكم . وجهي أنا برقيّة
هل تقرأون الماء كي تـتّـفـق الآن ؟
البياض الأسود احتل المسافات
أنا الورد الذي لا يومىء
القيد الذي يأتي من الحرية – الفوضى
أو الهجز الذي يأخذ شكل الوطن – البوليس
هل كان الوطن
انطباعاً أم صراعاً ؟
وضياعاً أم خلاص
كان يوماً غامضاً …
وجهي أنا برقيّة الحنطة في حقل الرصاص
ما الذي أيقظك الآن
تمام الخامسة ؟
كنت تعرف
هي بيروت الفوارق
هي بيروت الحرائق
ما الذي أيقظك الآن
تمام الخامسة ؟
إنّهم يغتصبون الخبز و الإنسان
منذ الخامسة ....
لم يكن للحبر في يوم من الأيّام
هذا الطعم ، هذا الدم
هذا الملمس الهامس
هذا الهاجس الكونيّ
هذا الجوهر الكليّ
هذا الصوت هذا الوقت
هذا اللون هذا الفنّ
هذا الاندفاع البشريّ . السرّ. هذا السّحر
هذا الانتقال الفذ
من كهف البدايات إلى حرب العصابات
إلى المأساة في بيروت من كان يموت
في تمام الخامسة ؟
كان إبراهيم يستولي على اللون النهائيّ
و يستولي على سر العناصر
كان رسّاماًووثائر
كان يرسم
وطناً مزدحماً بالناس و الصفصاف و الحرب
وموج البحر و العمال و الباعة و الريف
و يرسم
جسداً مزدحماً بالوطن المطحون
في معجزة الخبز
و يرسم
مهرجان الأرض و الإنسان ،
خبزاً ساخناً عند الصباح
كانت الأرض رغيفاً
كانت الشمس غزالة
كان إبراهيم شعبا في الرغيف
و هو الآن نهائيّ… نهائيّ
تمام السادسة
دمه في خبزه
خبزه في دمه
الآن
تمام السادسة ..
سيمون حبيب صفير
٣٠ نيسان ٢٠٢٦



