محمد برجي- صفقة فوق خرائط الشرق الأوسط

كتب الاعلامي محمد برجي:

ليست المسألة اتفاقاً نووياً، ولا هدنة عابرة في مضيق هرمز، ولا إفراجاً عن أموال مجمدة في البنوك. ما يجري أوسع من ذلك بكثير: محاولة أمريكية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط دفعة واحدة، بصفقة تجمع ما لا يُجمع، وتساوم على ما لا ينبغي أن يدخل المزاد: أمن الخليج، مستقبل إيران، موقع إسرائيل، وحق الفلسطينيين في دولة لا تُمنح كـ منّة، ولا تُؤجّل كملحق دبلوماسي.

حين يربط دونالد ترامب أي تفاهم مع طهران بتوسيع اتفاقيات أبراهام، فهو لا يتفاوض مع إيران فقط، بل يختبر قابلية المنطقة كلها للدخول في هندسة سياسية جديدة، لا تبدأ من العدالة، بل من التطبيع، ولا تنطلق من الحقوق، بل من الحسابات. وقد نقلت رويترز ووكالة أسوشيتد برس أن ترامب دعا دولاً بينها السعودية وقطر ومصر وتركيا وباكستان إلى الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام ضمن سياق أي اتفاق مع إيران، واعتبر ذلك جزءاً من “اللغز المعقد” الذي تحاول واشنطن تركيبه.

هنا تكمن خطورة اللحظة: واشنطن لا تريد فقط وقف النار، بل تريد تحويل وقف النار إلى عقد إذعان سياسي. تريد أن تقول للدول: إن أردتم التهدئة مع إيران، فادخلوا من بوابة إسرائيل. وإن أردتم مكاناً في الترتيب الجديد، فادفعوا ثمنه من رصيد فلسطين. بهذا المعنى، لا يصبح الاتفاق مع طهران نهاية حرب، بل بداية اختبار للوعي العربي والإسلامي: هل تُباع التهدئة بثمن الذاكرة؟ وهل يتحول الخوف من الفوضى إلى جواز عبور نحو تنازلات كبرى؟

أما إسرائيل، التي اعتادت أن تمسك بخيوط القرار الأمريكي في الملف الإيراني، فتبدو هذه المرة قلقة من أن الصفقة قد تتجاوزها. فقد قالت رويترز إن نتنياهو أبلغ مقربين منه أن قدرته على التأثير في قرارات ترامب بشأن إيران محدودة، وأن إسرائيل أُبعدت إلى حد كبير عن مسار المفاوضات غير المباشرة، مع تمسكه بحق مواصلة العمليات ضد ما تعدّه تهديدات في جبهات عدة، بينها لبنان.

وهذا لا يعني أن إسرائيل خرجت من المشهد، بل يعني أن واشنطن تحاول، مؤقتاً، أن تستثمر القلق الإسرائيلي لا أن تخضع له بالكامل. فترامب يريد اتفاقاً يقدمه للرأي العام الأمريكي بوصفه انتصاراً لا تراجعاً، وتهدئة لا هزيمة، وصفقة لا تنازلاً. لذلك يضع على الطاولة عنواناً كبيراً: إيران من جهة، واتفاقيات أبراهام من جهة أخرى. كأن المنطقة لا تُدار بمنطق المصالح المتوازنة، بل بمنطق العرض المسرحي: سلام واسع، صورة كبرى، توقيعات متزامنة، ثم إعلان أن الشرق الأوسط دخل عصراً جديداً.

لكن الشرق الأوسط لا يدخل العصور الجديدة بالصور، بل بالوقائع. والواقع أن السعودية، تحديدًا، لا تستطيع أن تتحرك في هذا الملف وكأن غزة لم تنزف، والضفة لم تُطوّق، والقدس لم تُصادر، والحدود لم تُمحَ. الموقف السعودي المعلن واضح: لا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

لذلك، فإن محاولة القفز فوق القضية الفلسطينية ليست عبقرية دبلوماسية، بل خطأ في قراءة الوجدان السياسي للمنطقة. قد تستطيع القوة أن تنتزع توقيعاً، لكنها لا تصنع شرعية. وقد يستطيع الضغط أن يفتح باباً، لكنه لا يبني سلاماً. فالسلام الذي يولد من دون عدالة لا يعيش طويلاً، بل يتحول إلى هدنة بين انفجارين.

إيران من جانبها لا تدخل التفاوض بوصفها طرفاً مهزوماً يريد الخروج بأي ثمن، بل بوصفها نظاماً يبحث عن تنفّس مالي وسياسي من دون أن يظهر أمام داخله كمن سلّم أوراقه. ومن هنا تأتي أهمية الأموال المجمدة، والعقوبات، والوصول العملي إلى الموارد، لا مجرد الوعود المكتوبة. وقد تحدثت تقارير عن مطالبة إيرانية بالإفراج عن 12 مليار دولار من أموال مجمدة في قطر كشرط للتقدم في مذكرة تفاهم أولية، مع التشديد على أن طهران تريد وصولًا مضموناً إلى هذه الأموال لا تعهدات رمزية.

المعادلة إذن ليست بسيطة. ترامب يريد إنجازاً تاريخياً. إيران تريد رفع الكلفة عنها. إسرائيل تريد ألا تُقيّد يدها العسكرية. الخليج يريد إطفاء الحرائق لا نقلها إلى حدوده. والفلسطينيون يخشون أن يتحولوا مرة أخرى إلى هامش في صفقة كبرى تُكتب فوق رؤوسهم. وبين هذه الإرادات المتنافرة، يجري تصنيع خطاب جديد عنوانه السلام، ومضمونه إعادة توزيع النفوذ.

أخطر ما في خطاب ترامب أنه يتعامل مع الدول كأنها ملحق في صفقة تجارية، لا كيانات ذات ذاكرة ومصالح وحسابات داخلية. فهو لا يسأل: ما الثمن السياسي العادل؟ بل يسأل: من يوقّع أولًا؟ لا يسأل: كيف تُحل القضية الفلسطينية؟ بل كيف تُستثمر في صفقة أوسع؟ لا يبحث عن تسوية تعالج أصل الصراع، بل عن إطار كبير يبتلع الصراع داخل صورة مصقولة.

وهنا ينبغي التفريق بين السلام بوصفه ضرورة، والتطبيع بوصفه أداة. السلام مصلحة عربية وإسلامية وإنسانية، لأنه يوقف نزيف الموارد والأرواح ويفتح أبواب التنمية. أما التطبيع إذا جاء بلا دولة فلسطينية، وبلا وقف للاحتلال، وبلا ضمانات قانونية، فهو ليس سلاماً، بل تثبيت لأمر واقع مختل، وتجميل لميزان قوة ظالم.

أن المنطقة تقف أمام صفقة قد تبدو في ظاهرها مدخلاً إلى التهدئة، لكنها في عمقها معركة على ترتيب الوعي قبل ترتيب الحدود. فإن نجح ترامب في تحويل الخوف من الحرب إلى قبول بتطبيع بلا عدالة، فسيكون قد حقق انتصاراً في إدارة الصورة لا في صناعة السلام. أما إذا أصرّت الدول الكبرى في المنطقة على أن الأمن لا ينفصل عن الحق، وأن التهدئة لا تُشترى بفلسطين، فربما تتحول هذه اللحظة من محاولة فرض إلى فرصة تصحيح.

فالوطن العربي لا يحتاج إلى صفقة تُسكت المدافع وتترك الجرح مفتوحاً، بل إلى سلام يرى الإنسان قبل الخريطة، والحق قبل التوقيع، والمستقبل قبل الصورة. وكل اتفاق لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيبقى مجرد حبر قلق على ورق قابل للاشتعال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى