القمّة الروحية في بيروت: موقف جامع في وجه العدوان ودعوة إلى تحصين الوحدة الوطنية

 

في أجواء وطنية دقيقة، ووسط تصاعد المخاوف من تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان وما يرافقه من تهجير ودمار وضغط اجتماعي واقتصادي، انعقدت في دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت القمّة الروحية الإسلامية – المسيحية، بدعوة وضيافة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، وبمشاركة واسعة لرؤساء الطوائف والمرجعيات الروحية في لبنان.

وقد شكّل اللقاء محطة وطنية وروحية بارزة، إذ بدا واضحًا أن الهدف منه يتجاوز حدود التضامن الرمزي، ليؤسس لموقف جامع يؤكد أن لبنان لا يمكن أن يواجه أخطاره إلا بوحدة أبنائه، وبالالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية، وبحماية السلم الأهلي من أي محاولة لإثارة الفتنة أو الانقسام.

واستُهلّت القمة بصلاة مشتركة على نية لبنان، والشهداء، والجرحى، والمصابين، والمهجرين، سائلين الله أن يحفظ الوطن ويعيد إليه الأمن والاستقرار والسلام. وقد عكست الصلاة روح اللقاء، حيث اجتمعت المرجعيات الدينية على لغة واحدة تقوم على الرحمة، والتضامن، والمحبة، وصون كرامة الإنسان والوطن.

وفي كلمته الافتتاحية، شدّد الشيخ سامي أبي المنى على أن القمة ليست ساحة لنقل التباينات السياسية، بل مساحة جامعة للتلاقي وحماية الوحدة الوطنية، مؤكدًا أن دور المرجعيات الروحية هو أن تكون صمام أمان للبنان، لا طرفًا في الانقسام. ودعا إلى تقديم المصلحة الوطنية العليا، ودعم الدولة، والعمل لوقف الحرب، ومساعدة النازحين والمتضررين.

أما الكلمات التي ألقاها رؤساء الطوائف، فقد التقت على رفض العدوان الإسرائيلي، والتأكيد أن أي اعتداء على منطقة لبنانية هو اعتداء على لبنان كله، وأن اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومناطقهم، يشكلون عائلة وطنية واحدة. كما شددت المداخلات على ضرورة حماية العيش المشترك، ورفض التحريض والكراهية، ودعم الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية، وترسيخ ثقافة المواطنة والولاء للبنان.

وأكد صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن لبنان يحتاج اليوم إلى أن يسكن الإخوة معًا، معتبرًا أن اجتماع المرجعيات الروحية يشكل صورة حقيقية عن لبنان الرسالة والعيش الواحد. واعتبر مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان أن القمة هي قمة أمل في زمن العواصف، داعيًا إلى الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها. وشدد الشيخ علي الخطيب على أن مواجهة العدوان تستوجب وحدة وطنية ودولة قوية عادلة تحمي جميع أبنائها.

كما ركز البطاركة ورؤساء الطوائف المشاركون على أن وحدة اللبنانيين هي خشبة الخلاص، وأن البيانات يجب أن تتحول إلى عمل فعلي يعيد بناء الثقة بين اللبنانيين، ويحصن الوطن في مواجهة الأخطار. ودعوا إلى تربية الأجيال على الهوية اللبنانية الجامعة، واحترام الآخر، والحوار، والتضامن بين العائلات الروحية.

وفي ختام القمة، ناقش المجتمعون مشروع البيان الختامي، الذي أكد التمسك بوحدة لبنان أرضًا وشعبًا ومؤسسات، ودعم الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الشرعية الوحيدة، والالتزام بالدستور واتفاق الطائف والميثاق الوطني، ورفض كل أشكال الفتنة والتحريض، والدعوة إلى وقف العدوان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ومساندة المتضررين والمهجرين، والعمل على إعادة إعمار المناطق المنكوبة.

وقد خرجت القمة برسالة واضحة إلى الداخل والخارج: أن لبنان، رغم جراحه، لا يزال قادرًا على توحيد كلمته الروحية والوطنية، وأن خلاصه لا يكون إلا بوحدة أبنائه، وبالدولة الجامعة، وبالحوار لا بالصراع، وبالشراكة لا بالإلغاء، وبالتمسك برسالته التاريخية كأرض للحرية والتعددية والعيش المشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى