
باسمة عطوي
يثير التقرير الذي صدر رسمياً عن صندوق النقد الدولي في 1 حزيران الحالي تحت عنوان Lebanon: Diagnostic of Governance and Corruption، حالة إرباك في الأوساط المالية والمصرفية اللبنانية، كونه يُعد من أهم التقارير التي أصدرها صندوق النقد عن لبنان منذ بداية الأزمة المالية. فالتقرير لا يكتفي بتشخيص الأزمة الإقتصادية، بل يربطها مباشرةً بضعف الحوكمة والفساد البنيوي داخل مؤسسات الدولة والقطاع المالي، ويوثق مكامن الخلل فيها ويتناول أداء مصرف لبنان والهيئات الرقابية، ويربط بين ضعف الإدارة العامة وتراكم الأزمة المالية، ويضع قائمة مفصلة بالإصلاحات المطلوبة لإستعادة ثقة المواطنين والمجتمع الدولي. وقد خلص التقرير إلى أن الفساد ليس ظاهرة هامشية في لبنان، بل عامل أساسي أعاق النمو الإقتصادي وساهم في الإنهيار المالي.
التقرير أُنجز ضمن سياق مفاوضات لبنان مع صندوق النقد، والمساعدات التقنية والفنية التي يقدمها في الفترة ما بين نيسان 2022 ونيسان 2023. وقد إكتملت تفاصيله والتعديلات عليه في تشرين أول 2025 من دون نشره، لكن نشر أحد وسائل الاعلام أجزاءا منه في أيار الماضي، دفع الصندوق إلى نشره بالكامل في مطلع الشهر الحالي.
ماذا جاء في التقرير؟
تضمن التقرير الكثير من الفضائح عن القطاع العام والمالية العامة ومصرف لبنان والمصارف وإدارة الجمارك، وتقصير الجهات الرقابية في المؤسسات العامة وإنعدام الشفافية والمساءلة والمحاسبة فيها، وعدم تطبيق معايير الحوكمة في قطاعات مثل الكهرباء والاتصالات.
أهم جزء في التقرير هو ما يتعلق بمصرف لبنان والفساد الذي ظهر فيه بعد الإنهيار في 2019، حيث يعتبر الصندوق أنه يجب تعديل قانون النقد والتسليف، لأن تكوين نصوصه هي أحد أبرز أسباب الأزمة. ويشدد على أن تكون لجنة الرقابة على المصارف مستقلة عن المركزي، ويطالب بإستقلالية هيئة التحقيق الخاصة بتبييض الاموال وتمويل الإرهاب عن مصرف لبنان أيضا، أي تفكيك كل الصلاحيات المبالغ فيها التي يتمتع فيها الحاكم، وهذا ما يرفضه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد.
في ما يتعلق بالمالية العامة، يعتبر التقرير أن هناك تسيّبا شبه كامل في الجمارك والإدارات الضريبية وبالاعفاءات والإستثناءات، ولذلك يجب على لبنان القيام بورشة إصلاح ضريبي، وتغيير نمط إعداد الموازنات وفرض الضرائب والرسوم ومكافحة التهرب الضريبي، ويعتبر أن النظام الضريبي في لبنان غير عادل وأن إدارات الجمارك والضريبة على القيمة المضافةـ لا تُدار كما يجب من حيث الضبط والحوكمة وتطبيق معايير الشفافية.
أشار التقرير إلى أن مؤسسة كهرباء لبنان هي أحد أكثر القطاعات فسادا على الإطلاق، وتعاني من التوظيف السياسي وشُبهات فساد في مناقصات الفيول والوقود، وأن الهيئة الناظمة التي تمّ تعيينها لم تقم الى الآن بأي خطوة إيجابية، وهذا ينطبق أيضا على الهيئة الناظمة لقطاع الإتصالات، التي يعاني من غياب الحوكمة والشفافية وهناك تضارب مصالح بين سلطة الوصاية والرقابة بحكم تدخل الوزير.
ماذا يعني التقرير سياسياً واقتصادياً؟ يمكن تلخيص رسالة صندوق النقد في ثلاث نقاط أساسية:
1. الأزمة اللبنانية ليست أزمة مالية فقط، بل أزمة حوكمة وفساد.
2. لا يمكن إعادة هيكلة القطاع المصرفي أو استعادة الودائع أو الحصول على برنامج تمويل من صندوق النقد من دون إصلاحات مؤسساتية عميقة.
3. المجتمع الدولي لن يموّل إعادة الإعمار أو دعم الاقتصاد اللبناني، ما لم تظهر الدولة تقدماً فعلياً في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.
ما يهم المودعين تحديداً، التقرير يربط بشكل مباشر بين إصلاح حوكمة مصرف لبنان، إعادة هيكلة المصارف، وحماية حقوق المودعين. ويعتبر أن أي معالجة للأزمة المصرفية يجب أن تتم ضمن إطار شفاف يخضع للرقابة والمساءلة، وليس عبر حلول إستثنائية أو غير واضحة.
بحسب مصدر متابع لـ “ليبانون ديبايت” التقرير يتضمن توصيات تفصيلية لكل قطاع وهي ليست إستشارية، بل أن أجزاءا أساسية منها ستكون قسما من الإصلاحات المطلوب تنفيذها، حتى يقبل صندوق النقد توقيع الإتفاق مع لبنان وسيكون له ما يشبه وصاية على متابعة تنفيذ الإصلاحات، إلى جانب متابعته إقرار قانوني الفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف وإصلاحات تحسين المالية العامة. بمعنى آخر ستكون محاربة الفساد وتشديد المساءلة والمحاسبة وتطبيق الشفافية الكاملة في القطاع العام، شرطا من شروط الصندوق لتوقيع الإتفاق وكجزء من الضمانات التي يطلبها لإسترداد أمواله التي سيقرضها للبنان”.
ويؤكد المصدر أن “الحاكم سعيد ورئيس هيئة التحقيق الخاصة عبد الحفيظ منصور، أبديا إنزعاجهما من نشر التقرير لأنه أظهر مكامن الخلل في المصرف المركزي، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية لوضع لبنان على اللائحة الرمادية، بسبب عدم فعالية عمل هيئة التحقيق الخاصة في مكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال منذ سنوات”.



