د. جوزيف ديب- أوروبا بعد الترامبونوميكس: Trumponomics حين تصطدم قارة تكتب القواعد بعالم يفرض الشروط

 

د. جوزيف ديب
عندما طلبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في أيلول 2023، من ماريو دراغي إعداد تقرير عن مستقبل التنافسية الأوروبية، كانت بروكسل تعترف، بلباقة مؤسساتية، بأنّ النموذج الاقتصادي الأوروبي بدأ يفقد شيئاً من يقينه القديم. ومن أوكرانيا، حيث أظهرت موسكو، بالرغم من ضيق اقتصادها قياساً بأوروبا، أنّ الجغرافيا والطاقة والغذاء تستطيع إنتاج نفوذ يفوق الوزن الحسابي للناتج المحلي، إلى صعود الصين والتفوّق التكنولوجي الأميركي والاعتماد على المواد الأولية الآسيوية، لم تعد القارة أمام أزمات متفرقة، إنما أمام هشاشة اقتصادية واحدة لها أكثر من مدخل. فهناك طاقة مكلفة ومستوردة، وصناعة تواجه دولة صينية طويلة النفس، وبنية رقمية تستند إلى قدرات أميركية، وسوق موحدة لا تكفي عندما تكون مدخلات الإنتاج الأساسية خارج القارة.

بعد عام تقريباً، في أيلول 2024، قدّم دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ورئيس الحكومة الإيطالية الأسبق، تقريره عن التنافسية، فترجم القلق الأوروبي إلى لغة أرقام ومخاطر، من إنتاجية بطيئة، واستثمار غير كاف، وكلفة طاقة ضاغطة، وفجوة تكنولوجية، إلى شركات لا تملك دائماً الحجم والبيئة التي تسمح لها بمنافسة أميركا والصين. هنا يأخذ التقرير وزنه الحقيقي، لأنّه يضع أوروبا أمام سؤال لم يعد قابلاً للتأجيل: هل تكفي القاعدة القانونية عندما تصبح شروط الإنتاج نفسها في يد الآخرين؟

من هنا يدخل منطق الترامبونوميكس (Trumponomics) إلى النقاش الأوروبي بوصفه مفهوماً في الاقتصاد السياسي. لقد ظهر هذا المنطق في تحويل أدوات الاقتصاد العادي، من التعرفة والطاقة والموارد إلى سلاسل التوريد والعلاقات مع الحلفاء، إلى وسائل ضغط تفاوضي تفرضها الدول التي تملك عناصر القوة المادية. بهذا المعنى، لم يعد الاقتصاد يتحرك وفق منطق السوق وحده، إذ صار يتأثر أكثر بقرارات الدول التي تتحكم بمقومات الإنتاج وبمفاتيح الوصول إلى الطاقة، والتمويل، والتكنولوجيا، والأسواق.

في المقابل، تتحرك واشنطن من موقع يسمح لها بربط الدولار والطلب الداخلي والمشتريات الفدرالية والعقوبات والتعرفة في حزمة تفاوض واحدة، حتى حين تبدو السياسة الأميركية فوضوية. وتتحرك بكين بمنطق تخطيط صناعي طويل الأجل، حيث يسبق التمويل العام الطلب العالمي ويدفع الشركات إلى التوسع قبل أن تصبح الأسواق جاهزة بالكامل. أما موسكو، فتعوّض محدودية اقتصادها عبر الطاقة والغذاء والموقع الجغرافي، وهي عناصر تسمح لها بالتأثير في الأسعار والقرارات خارج حجمها المالي الحقيقي. مقارنة بهذه النماذج، تبدو أوروبا أقوى في وضع الضوابط والمعايير، وأبطأ في تحويل التشخيص إلى استثمار وتنفيذ وقرار اقتصادي موحد.

هنا يبدأ الاختبار الرقمي. فحين يغطي الاتحاد الأوروبي نحو 57 في المئة من حاجاته الطاقوية من صافي الواردات، يتحول سؤال السيادة الاقتصادية من فكرة عامة إلى مسألة تمس كلفة الإنتاج والتضخم الصناعي وقدرة الشركات على المنافسة. وعندما تقول المفوضية الأوروبية، في بوصلة التنافسية، إنّ المطلوب معالجة فجوة الابتكار والتبعيات الخارجية وجعل التحول الأخضر جزءاً من القدرة التنافسية، فهي تقرّ بأنّ القارة انتقلت من نقاش تنظيمي إلى نقاش قدرة اقتصادية داخل نموذج اجتماعي مكلف يحتاج إلى إنتاجية عالية وتمويل كثيف وطاقة مرتفعة الكلفة.

لقد بات التشخيص الأوروبي موجوداً، فدراغي وضع الأرقام وبوصلة التنافسية حدّدت الاتجاه، غير أنّ المسألة الاقتصادية تبدأ عند لحظة التنفيذ. فطاقة مرتفعة الكلفة لا تبقى بنداً تقنياً في ميزانيات الشركات، إذ تضغط مباشرة على الصناعة، وتؤخر قرارات الاستثمار، وتضعف القدرة على خلق وظائف منتجة وتمويل نموذج اجتماعي مرتفع الكلفة. وعندما يشعر المواطن أنّ التحول الأخضر يزيد كلفة المعيشة من دون تحسن مواز في الإنتاجية والدخل وفرص العمل، ينتقل النقاش من سياسة مناخية إلى ضغط اجتماعي وانتخابي.

والأمر نفسه ينطبق على التكنولوجيا، فماذا لو صار الذكاء الاصطناعي البنية التحتية الجديدة للإدارة والتعليم والصناعة والدفاع؟ عندها يصبح تنظيمه إنجازاً قانونياً مهماً، لكنه يبقى ناقصاً إذا كان خاضعاً لبنية يملكها الآخرون. وهنا تتقدم المشكلة الأوروبية خطوة إضافية، لأنّ تنظيم أداة لا تملك القارة مفاصلها الأساسية قد يجعلها قادرة على شرح قواعد استخدامها أكثر مما هي قادرة على توجيه أثرها الاقتصادي والاستراتيجي.

بهذا المعنى، يعود تقرير دراغي إلى موقعه الصحيح في النقاش الأوروبي. فالمسار الذي بدأ بطلب فون دير لاين في 2023 وانتهى بتقرير 2024 يتجاوز تحسين صورة التنظيم الأوروبي إلى اختبار اقتصادي ملموس، هو قدرة القارة على تمويل نموذج اجتماعي مرتفع الكلفة في عالم تضغط فيه واشنطن عبر المال والتكنولوجيا، وتضغط بكين عبر الصناعة وسلاسل التوريد، وتضغط موسكو عبر الطاقة والجغرافيا والغذاء.

المطلوب من أوروبا، هنا، ليس تقليد خشونة أميركا أو الصين أو الترامبونوميكس (Trumponomics)، بل فهم الدرس الاقتصادي الذي فرضه هذا الزمن. من يتحكم بمقومات الإنتاج يملك موقعاً أقوى داخل معادلة الاقتصاد السياسي. وإذا بقيت أوروبا قوية في التنظيم ومتأخرة في الاستثمار والتنفيذ والطاقة والتكنولوجيا، فستجد نفسها أمام خلل عملي لا تعالجه جودة القوانين وحدها.

عند هذه النقطة يصبح سؤال دراغي مباشراً. هل تستطيع أوروبا تحويل قواعدها إلى قدرة اقتصادية قابلة للتمويل والتنفيذ والمنافسة، أم ستبقى تشرح نظاماً عالمياً يحدّد الآخرون شروطه؟

مرجع المفاهيم: Trumponomics Doctrine كما وردت في:

The Official Birth of the Trumponomics Doctrine

TRUMPONOMICS: THE NEW WEALTH OF NATIONS!

منشور على LinkedIn بتاريخ 6 نيسان 2025، بقلم Joseph Deeb.

https://www.linkedin.com/pulse/official-birth-trumponomics-doctrine-joseph-deeb-4ueuf/

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى