
لا يبدو أن انتهاء الحرب الأميركية – الإيرانية سيعني انتهاء حالة الحرب التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر 2023. ما يختبره الإقليم أكبر من مجرّد معارك عسكرية، بل يكاد أن يكون رسم خرائط جديدة وموازين قوى وحدود أخرى تستبدل خطوط “سايكس- بيكو” وتشكّل حقبةً جديدة من حقبات المنطقة بعد مئة عام من الثوابت والمتغيرات.
ثمّة كثير من القوى الدولية والإقليمية تريد الحفاظ على شكل المنطقة كما هو منذ زمن الانتدابين الفرنسي والبريطاني. لكن على نقيضٍ من ذلك، ترى قوى أخرى، بينها إسرائيل، أن مرحلة فرنسا وبريطانيا ولّت، ومن المفترض أن تزول ترسباتها لتفرض وقائع جديدة تناسب موازين القوى المتغيرة. وانطلاقاً من فائض قوتها، ترى إسرائيل فرصة، في المشاركة بفاعلية بإعادة تشكيل المنطقة وتوسيع حدودها.
فرصة إسرائيل الاستثنائية
الفرصة المتاحة اليوم لجهة فائض القوة العسكري والدعم السياسي شبه المفتوح لإسرائيل من المجتمع الدولي الغربي، ولجهة حالة الحرب وتراجع نفوذ قوى كإيران والضعف العربي في لبنان وسوريا والعراق جرّاء الحروب، تقتنصها إسرائيل لتوسيع حدودها الجغرافية وتثبيت معادلات جديدة. وترى أنها قد لا تتكرر، لذلك تشرع نحو الحدود الجديدة والتي قد تتغير وتتوسع في ما بعد.
كبيرة محللي الشؤون الفلسطينية في “مجموعة الأزمات الدولية” تهاني مصطفى لا ترى أي أفق لنهاية الحرب، وتعتبر أن حالة الحرب التي بدأت بعد السابع من أكتوبر “لن تنتهي” في الوقت الحالي. وتقول في حديثها الى “النهار”، إن إسرائيل “تعمل من أجل توسيع حدودها”، والتوسّع لم يعد محصوراً بالمناطق الأمنية، فبتقديرها، إسرائيل بدأت تتخذ خطواتٍ جدية نحو حدود إسرائيل الكبرى.
ولا بد من العودة إلى العقيدة السياسية التوسعية الإسرائيلية لمعرفة مستقبل الشرق الأوسط. تقوم فكرة إسرائيل وتوسّعها على تقسيم المنطقة إلى دويلاتٍ مذهبية متقاتلة تضعف محيط إسرائيل وتسمح للأخيرة ببسط نفوذ وتبدّل الواقع الديموغرافي الحالي. التقسيم لا يمكن أن يتم من دون حرب، وبالتالي من منطلق العقيدة الإسرائيلية، فإن الحرب يبدو أنها حالة طويلة الأمد.
هذا التوسّع سيعني استمرار حالة الحروب والصدام، وقد يتحوّل في أي وقت إلى حرب إقليمية، وإيران ليست الطرف الوحيد على المقلب الآخر ضد إسرائيل. تركيا خصم آخر لإسرائيل من دون أن تكون حليفاً لإيران. مصالح تركيا في الشرق الأوسط تتوسع، وكان أبرزها سقوط نظام بشار الأسد ووصول سلطات سورية جديدة تجمعها بها علاقات متقدمة. والصدام مع إسرائيل يبقى احتمالاً قائماً.
تبدلات سياسية لا تنهي الحرب
ثمّة من يرى أن المتغيرات السياسية في إسرائيل قد تبدّل المسارات، في حال فشل بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة. لكن الرأي الآخر يرى أن حروب إسرائيل منطلقها عقائدي إيديولوجي، وهو منطق يتشاركه سياسيو إسرائيل بغض النظر عن خلافاتهم واختلافاتهم السياسية. فاليمين الديني متحكم بالإدارة الإسرائيلية، وخسارة نتنياهو ووصول آخرين إلى حكومة إسرائيل لا يعنيان انتهاء الحروب.
في هذا السياق، تذكّر بأن أحداً من سياسيي إسرائيل، وحتى خصوم نتنياهو، “لم يعِد” بانهاء الحروب في المنطقة أو انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وسوريا. ومنطق التوسّع وإسرائيل الكبرى والحروب الدينية والعقائدية يسود إسرائيل مع انحسار اليسار. وحتى تبدل الإدارات في الولايات المتحدة بين ديموقراطية وجمهورية لن يوقف إسرائيل وتوسعها، بحسب مصطفى.
متى تنتهي حروب الشرق الأوسط؟
طالما أن إسرائيل ترى فرصة التوسّع، ففرص التهدئة تبقى مخفوضة. تقول مصطفى إن استمرار الدعم السياسي والعسكري الغربي والأميركي تحديداً لإسرائيل سيعني استمرار تمويل الحروب. وبرأيها، لن يتبدّل الواقع إلّا بعدما يتوقف حلفاء إسرائيل عن دعمها. لكنها في الآن عينه، لا ترصد أي مؤشرات على انحسار الدعم، خصوصاً أنه استمر رغم كل ما ارتكب في غزة والشرق الأوسط.
في المحصلة، فإن انتهاء الحرب الأميركية– الإيرانية لن ينهي حالة الحرب في المنطقة، حتى وإن أصرّت طهران على تضمين جنوب لبنان ضمن الاتفاق. فالحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية تتجاوز المصالح والشروط الإيرانية. قد يهدأ التصعيد حيناً ويعود أحياناً، لكن لا يبدو أن حالة الحرب ستنتهي قبل إرساء معادلات جديدة وحدود أخرى.
النهار



