
في الأمسيات التي تبدو فيها العواصم مثقلة بالوجوم والمآسي، تأتي الموسيقى لتعيد ترتيب فوضى العالم، وتمنح الأمل شكلاً ملموساً وصوتاً رقيقاً. هذا ما شهدته خشبة الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت خلال الأمسية الموسيقية المتميزة التي أحيتها الأوركسترا الوطنية للشباب- لبنان (NYO – Lebanon)، تحت رعاية وزير الثقافة اللبنانية الدكتور غسان سلامة، وبدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القواس. فكان الحفل بأكمله، برهبته وجماله، بمثابة بيان فنّي وثقافي يعلن حضور لبنان المستقبل بشاباته وشبابه.
حين نتأمل أداء الأوركسترا الوطنية الشابة، التي تضمّ شابات وشباناً لبنانيين، ونلمس وبراعتها الفائقة، نكاد لا نصدق أن عمر هذه المؤسسة بشكلها المنظم الحالي لم يتجاوز السنة الواحدة بالتمام، منذ إعادة هيكلتها ومأسستها الشاملة في حزيران 2025 بجهود الدكتورة هبة القواس. فإن الجذور، وإن كانت تمتد لمحاولات سابقة، رعاها الراحل د. وليد غلمية، إلا أن التحوّل الحقيقي من مجرد “مشروع طلابي عابر” إلى “مؤسسة وطنية مستدامة” يُعدّ قفزة نوعية في تاريخ التعليم الموسيقي في لبنان. وهذا الإتقان الرفيع الذي استمع إليه جمهور الموسيقى في الحفل، هو نتاج تفانٍ كبير صقله الطلاب والأساتذة على حد سواء، متحدّين أسوأ الظروف وأكثرها صعوبةً.
ولم تكن حداثة سن الأوركسترا عائقاً أمام تحقيق إنجازات دولية باهرة، إذ نجحت في تسجيل حضورها العالمي القوي عبر مشاركتها التاريخية في مهرجان موسكو الدولي لأوركسترات الشباب (تحت رعاية المايسترو العالمي يوري باشميت)، بالإضافة إلى جولة في إيطاليا، والرحلات المرتقبة مجدداً إلى روسيا ولندن. إن هذا الانفتاح الدولي يحوّل الأوركسترا محركاً ثقافيّاً وطنيّاً، ووجهاً دبلوماسياً مشرقاً يمثل شباب لبنان على أرقى المسارح العالمية، مؤكداً أن الموسيقى هي الثروة الحقيقية ومستقبل لبنان الواعد الذي لا ينضب.
بعد الافتتاح بالنشيد الوطني عزفاً مع أوركسترا الشباب، استهلت الحفل رئيسة المعهد الدكتورة هبة القواس بكلمة قالت وصفتها بأنها ليست كلمة رسمية لافتتاح حفل موسيقي، بقدر ما هي كلمة من الوجدان تحاكي مستقبل شبابنا. وقالت:
“أعتقد أن هذه هي المرة الأجمل والأعمق التي نستمع فيها إلى نشيدنا الوطني، ليس فقط لروعة العزف وبراعته الفائقة، بل لأن هؤلاء الشباب يمثلون تجسيداً حيًّا لصوت المستقبل الطالع من الكونسرفتوار. هذا المعهد الذي خطّه ورسم ملامحه منذ سنوات طويلة مؤسسه، الموسيقار الراحل وديع صبرا عام 1925. ولو كان بيننا الليلة، لكان في غاية الفخر. إذ كان سيشعر بأن هذا الإرث العريق الذي انطلق قبل مئة عام وعام، يكتمل اليوم ويستمر عبر هذا الإبداع المتدفق، وهذا الصوت الجميل الشبيه بنقاء قلوب العازفين، وبهاء وجوههم وأناملهم.
إن شهادتي هنا مجروحة، فعندما أقف في هذا المقام لأخاطبكم، وتتناهى إلى مسامعي معزوفات أوركسترا الشباب، أجد نفسي منحازة إليهم بشكل مطلق، وهو انحياز طبيعي ونابع من القلب. فبالنسبة لي، هذا الحفل يتجاوز بأبعاده حدود الموسيقى ليكون حدثاً استثنائياً وخاصاً جداً.”
وأضافت: ” تكمن خصوصية الأمسية الليلة في حجم التحديات والظروف البالغة القسوة التي مر بها هؤلاء الشباب، فقد عشنا عامين في ظل جائحة “كوفيد-19″ حُرِموا خلالهما من لقاء أساتذتهم، ثم تلا ذلك انهيار اقتصادي حاد تسبب في إقفال الكونسرفتوار لسنتين إضافيتين. وخلال تلك الفترات، كان الطلاب يتابعون دراستهم بطرق استثنائية جداً، باستثناء قلة من الأساتذة الأوفياء الذين تخطوا كل الحواجز واحتضنوا هؤلاء الطلاب كأبناء لهم”.
وتابعت القواس: “لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تتابعت الحروب وصولاً إلى الحرب التي نعيش مآسيها اليوم. ورغم كل تلك الصعاب، كان قرارنا حاسماً: “سوف نكمل المسيرة”. ولقد أثبت طلابنا شجاعة منقطعة النظير، فكانوا يأتون للمشاركة في التدريبات من كافة المناطق تحت وابل القصف. وأذكر تماماً ليلة اشتدت فيها التهديدات الكبرى بقصف عاصمتنا بيروت، ورغم ذلك، واصلوا تمارينهم بلا خوف أو تردد. إنهم بحق مناضلون حقيقيون، وليسوا مجرد عازفين. إن هذا الشغف العارم، والطموح اللامحدود، والمثابرة الدؤوبة، هي ما أوصلهم إلى منبر الإبداع “.
وأضافت: “إن هذا الإنجاز الكبير لم يكن ليرى النور لولا الحرص والمتابعة الحثيثة من أساتذتهم. وخلف هذا الأداء المبهر، يخضع الطلاب لتدريبات مكثفة في أوركسترا الشباب رفقة أساتذة متميزين، وطبعاً تحت إشراف رئاسة القسم وفريق عمل إداري وفني كبير. هذا التفاني المطلق والالتزام الكامل بدأ منذ عام مضى، ففي حزيران من عام 2025 انطلقت رحلتنا، وسافر هؤلاء الشباب إلى روسيا حيث شاركوا في مهرجان أوركسترا الشباب الدولي، كما سافر بعضهم إلى إيطاليا. واليوم، يتأهب قسم منهم للسفر مجدداً إلى روسيا، وقريباً جداً ستتوجه الأوركسترا بكامل أعضائها إلى العاصمة البريطانية لندن. ولا يفوتني هنا أن أتوجه بخالص الشكر إلى الأساتذة الشباب الذين انضموا إلى الأوركسترا ليرفدوها بطاقاتهم”. وتوجهت القواس إلى القائد قائلة: “كل الشكر والتقدير للمايسترو كريم سعيد، عام مضى على تأسيس هذه الأوركسترا، وعام من التفاني الصادق الذي قدمته من كل قلبك، لدرجة أنك لا تعتز بأي لقب أو منصب بقدر اعتزازك وفخرك بلقب “القائد الرئيسي لأوركسترا الشباب – لبنان (NYO-LEBANON). هذا الاعتزاز نابع من عاطفة نبيلة ومشاعر جياشة تجاه هؤلاء الشباب الذين يطورون مهاراتهم عاماً بعد عام.”
وتابعت: “لقد بدأ بعضهم بالفعل بالعزف مع الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية، وقريباً جداً سيتم توقيع عقود معهم كمتدربين، ليتحولوا بعد سنوات قليلة عازفين أساسيين في الأوركسترا الوطنية. هذا يعني باختصار أن معالم طريقهم المهني قد رُسمت بالفعل.
وهنا أتوجه مباشرة إلى الأهالي الكرام: إذا كنتم تظنون أن الموسيقى اختصاص لا يؤمّن مردوداً مالياً، فهذا المفهوم بات من الماضي. إن الحاضر والمستقبل يثبتان أن الموسيقى، عبر بوابة الكونسرفتوار والأوركسترات الوطنية، قادرة على تأمين دخل مادي ممتاز وعيش كريم يفوق بكثير اختصاصات أخرى تُنفق عليها في الجامعات أموال طائلة، ليصطدم الخريجون في النهاية بعائد مالي ضئيل وغير كافٍ”.
وأعلنت القواس: “أود أن أزف إليكم أننا نعتمد هذا العام نظام الاعتماد الأكاديمي (Accreditation System)، ليحصل طلابنا على شهادات معترف بها دولياً، تصدر من لبنان ومن الخارج على حد سواء، وهو الهدف الأساسي الذي نسعى لتحقيقه في الوقت الحاضر. ومن ثم، ستكون هناك وظائف برواتب عالية بانتظارهم فور تخرجهم، بل ويمكن للعازف أن يشغل عدة وظائف ويحظى بأكثر من مصدر دخل، ليكون المجموع العام لمدخوله مرتفعاً جداً. هذا الأمر جوهري لكي لا نثقل كاهل أبنائنا باختصاصات أخرى لا يرغبون بها، مما يستنزف طاقتهم وشغفهم. فالموسيقى لا تقبل شريكاً لها، وهي تتطلب ساعات طوال من التمرين والجهد، وفي نهاية المطاف، لا يجوز أن تذهب هذه الجهود هباءً. وأنا على يقين تام بأن العديد من الأهالي الحاضرين معنا الليلة يفيضون فخراً بأبنائهم وهم يرونهم يتألقون على خشبة هذا المسرح، تماماً كما يفتخر بهم لبنان بأسره.
يجب علينا جميعاً أن ننظر إلى الموسيقى كاختصاص حقيقي، علمي، وأساسي. ثمة أساتذة كبار وهبوا أنفسهم وحياتهم للموسيقى ولم يعرفوا مهنة سواها، وربما لم يحظوا بالفرص المتاحة اليوم، بل حفروا الصخر بأصابعهم وبجهدهم الشخصي كما فعلت أنا تماماً. أما اليوم، فإن طريق الكونسرفتوار يُعبّد ويُمهّد لكي يخرج هذا الجيل جاهزاً، ومتخصصاً، ومؤمّناً مساره المهني بمداخيل عالية قد تعجز اختصاصات أخرى عن توفيرها”.
وختمت: “لا أحد يمكنه مساعدة الطلاب والوقوف بجانبهم سوى القرارات الحكيمة التي تتخذونها معهم، وهي قرارات مؤثرة جداً وفي كثير من الأحيان تكون مصيرية وملزمة. لهذا السبب، أعلن عن كامل استعدادي لعقد جلسات ولقاءات دورية معكم لنتباحث في هذا الموضوع الحيوي والمهم، لما فيه صالح ومستقبل هؤلاء الشابات والشباب، ولصالح مستقبل لبنان”.
جاء برنامج الحفل، متوازناً وعميقاً، ومتدرجاً من التناغم الكلاسيكي الرصين إلى ذروة التعبير الأوركسترالي المشترك.
مجموعة آلات النفخ النحاسية (NYO-Lebanon Brass Ensemble): افتتحت الأمسية بتقديم ثلاث موشحات غربية إيطالية (أغاني المادريغال)((Italian Madrigals من أواخر عصر النهضة (من توزيع ماساكي أوكاجيما)، شملت مؤلفات لأورازيو فيشي، بيتر فيليبس، ولوكا مارينزيو. وتجلت هنا القدرة الفائقة على التحكم بنبرة الصوت وتوزيع الأنفاس الموسيقية بمرونة عالية، ممهدة الأجواء لرهبة المكان.
أوركسترا الوتريات (NYO-Lebanon String Orchestra):تلا ذلك دخول الوتريات لتقديم رائعة وولفغانغ أماديوس موتسارت السيرينات رقم 13 بسلم صول كبير (K. 525) المعروفة باسم “موسيقى ليلية صغيرة” بأقسامها الأربعة. وهنا ظهرت البراعة النقدية لعازفي الوتريات، فالرداء الموتسارتي يتطلب خفة متناهية وانضباطاً صارماً في الإيقاع دون أي مبالغة رومانسية، وهو ما نجح الشباب في تحقيقه بكفاءة بالغة، لاسيما في حركتي (Allegro) و”الرومانس” (Romance).
أوركسترا الحجرة (NYO-Lebanon Chamber Orchestra):الاختبار الحقيقي للعمق الأوركسترالي كان مع السيمفونية رقم 4 بسلم لا كبير، مصنف 90 والمعروفة باسم “الإيطالية” للمؤلف فيليكس مندلسون بأقسامها الأربعة. قاد المايسترو الملهم كريم سعيد الأوركسترا ببراعة فائقة وثقة مطلقة. وبدا واضحاً التناغم التام والروح الواحدة بين العازفين وقائدهم، فقاد سعيد الحركة الأولى (Allegro vivace) بتدفق حيوي جلب به أجواء إيطاليا المشمسة إلى قلب بيروت، بينما تميزت الحركة الرابعة (Saltarello) بالسرعة الفائقة والرشاقة العالية في الانتقال الإيقاعي بين الوتريات وآلات النفخ الخشبية والنحاسية دون أي هفوة.
المجموعات المشتركة للأوركسترا (Combined Ensembles): وحلّت الذروة الدرامية للحفل عندما اندمجت كافة المجموعات الأوركسترالية لتعزف معاً مقطوعة إدوارد غريغ الشهيرة “في هيكل ملك الجبل” In the Hall of the Mountain King (من متتالية بير جينت رقم 1). امتاز العزف هنا بالبناء الديناميكي التصاعدي البارع (Crescendo) ، حيث بدأت المقطوعة بهمس موسيقي غامض ومتهكم عبر آلات الباصون والوتريات المنخفضة، ثم تصاعدت الإيقاعات والشدة تدريجياً لتبلغ ذروة أوركسترالية عاصفة وصاخبة هزت أرجاء الكنيسة، في استعراض مذهل للقوة والتوافق الجماعي الذي لا يصدر إلا عن أوركسترا محترفة بالغة النضج.
كان تفاعل الجمهور الحاضر الذي غصت به المقاعد مذهلاً واستثنائياً، إذ خيم الصمت الخاشع في اللحظات الدرامية، وكأنهم يشهدون ولادة جيل مهني موسيقي واعد.
يمكن القول إن حفل الأوركسترا الوطنية للشباب تحت قيادة المايسترو كريم سعيد هو محطة تاريخية تثبت أن الإرث الذي بدأه وديع صبرا منذ قرن من الزمان ما زال حياً ونابضاً ومستشرفاً للمستقبل بوجوه شابة، مبدعة، وشجاعة حفرت بأصابعها الصخر لتعزف أجمل لحن لصمود لبنان ونهضته الثقافية.



