بسام ضو- أسوأ الأنظمة حكم الميليشيات

الجمهورية اللبنانية بواقعها الحالي تُعاني من إشكالية جوهـرية في نظامها السياسي وخصوصًا في ( وثيقة الوفاق الوطني وما تلاها من تسويات مّذلّة بحق النظام الديمقراطي)،أنها دمجت مسؤولي ميليشيات الحرب اللبنانية وأمراء الحرب في النظام السياسي اللبناني بدلاً من تفكيك بنيانها السياسي – العسكري – العقائدي ، وبالتالي تحوّل هذا النظام إلى مزرعة يُديرها زعماء فُرِضوا فرضًا على الشعب وعاثوا فسادًا وشلّوا كل مؤسسات الدولة . ولا يُخفى على أي مركز أبحاث أنّ هذا المسار المفروض خلافًا للنظام الديمقراطي أدّى إلى تغييب سلطة الدولة الموّحدة وإنتشر الفساد وتقاسم مغانم الدولة .

منذ العام 1990 / طفتْ ظاهـرة الميليشيات في الجمهورية اللبنانية ( حزب الله – حركة أمل – الحزب التقدمي الإشتراكي – القوات اللبنانية – ظاهرة الجنرال ميشال عون – الحزب القومي –  حزب الكتائب – وبعض القوى التي شاركت في الحرب)، ومن المفيد ونحن في مرحلة مفصلية التنبّه إلى خطرهم الداهـم ليس لِما إرتكبوه من مجازر أثناء الحرب بحق السيادة الوطنية وليس لأنهم السبب المباشر للخطــر الوجودي الذي يُهدِّدْ النظام السياسي اللبناني بكل مكوناته ، إنما لأنهم يُهدِّدون أيضًا وحـدة المجتمع اللبناني ( منهم من يُنادي بالتقسيم ، أو بإدراج مقترحات لتعديل الدستور ، أو بالتبعية لنظام ما …)،وقد تكشّفتْ مدى هشاشة أفكارهم وممارساتهم وعمق الإنقسامات … ذلك أنّ الميليشيات الحاكمة تبني في الأساس على بعد عقائدي موروث يتسلح بمظلوميات فكرية بائدة ( الولاءات الخارجية – عدم الإعتراف بالكيان اللبناني …)،ولدّتها نظم سياسية تحكمت في الجمهورية في مرحلة ما بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني ، وهذه النظم تتغذّى من مصدر طائفي مذهبي تحكمه العمالة … وهذا الأمر للأسف يُدلِّلْ على فشل الدولة في تحصين الواحدة وترميم مؤسساتها .

الجمهورية اللبنانية مع نظام الميليشيات وقعتْ ضحية نظم عسكرية إستبدادية طغيانية هيمنت على المسرح السياسي اللبناني وهمّشت “الأوادم” والمثقفين والأكاديميين وإنتهكت الحريات العامة وسفهّت الدستور والقوانين ، هل يُعقل أن يُهمِّشْ النظام الميليشياوي الجيش النظامي وسائر القوى المُسلّحة الشرعية ؟! حيث عَمِلَ نظام الميليشيات الحالي على إعتماد تشكيلات عسكرية غير نظامية ( حزب الله – الميليشيات التي أسسها)، ومن ثمّ على ضرب قواعد الديمقراطية بإعتماده نظامًا إنتخابيًا شُرِّعَ على قياس أمراء الحرب ، ممّا أسفر عن ضرب السيادة الوطنية بالكامــل .

نظام الميليشيات الحالي صاحب عقل فاسد يتقبّل الأمور دون مسائلة ودون تفكير لأنه إرتكز على عقل إستسلامي عميل ملوّث حيث غاب العقل السليم صاحب العقل الدقيق والإستراتيجي . العقل الفاسد يتواجد في كل إدارات الدولة ( مجلس النوّاب – مجلس الوزراء – النوّاب – الأحزاب – رجال الدين مسيحيين ومُسلمين – رأي عام …)، ولا يمكن إخفاء الحقيقة حيث العقل الميليشياوي هو عقل الغالبية المطلقة في المرحلة الراهنة ، وهذا العقل الميليشياوي لا قيمة له ولا منفعة له ومع كل ذلك له القدرة على إفساد الواقع وتحطيمه عندما يتّم تفعيله للتحرك وسط المجتمع ( راجعوا ما يحصل اليوم من تحركات بين القوى الميليشياوية التي تهدف إلى رأب المشاكل ورفض كل عملية إصلاحية من شأنها وضع حد لهذا الأمر السيّء ، وكل هذا يحصل بالتكافل والتضامن فيما بين كل القوى الميليشياوية ).

 

أسوأ الأنظمة حكم الميليشيات ونشاهد هذا الأمـر تحت عناوين غش توجيهي – تضليلي ، وحتى إعتداء على أمن المواطنين (يا ويل إللي بيجكي أو بيتجرّأ يئول لا …) ، كما تعطيل مسار المؤسسات وخدماتها وتعطيل حاجات اللبنانيين ، كل هذه الأمور عايشناها في مجتمعنا اللبناني على شكل بلطجة وتركيب ملفات وميليشيات مسلّحة ، والمؤسف أنّ هناك من إدعى أنه أقوى من الدولة وهو الدولة والقرار ، ورفع السلاح ورفع الصوت الدكتاتوري بغير حق . فعلاً إنها إدارة المصالح بإستخدام الميليشيا وإستخدام العقل الفاسد والإستقواء على مؤسسات الدولة .

حكم الميليشيات باطــل وأينما وُجِدَتْ الميليشيا ومسؤوليها وُجِدَتْ الفوضى بدل القانون والفساد بدل النزاهة والمافيات بدل الأحزاب والطائفية والمذهبية بدل الوطنية ، كمركز أبحاث PEAC” المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية” نعتبر أنّ الميليشيات مهما إدعت من إدعاءات لا تحمل سوى الفوضى وتفكيك المجتمع والتحكُّم بالقوة والخوف وسحق الثقافة والعقلانية وإغلاق طريق المستقبل . صدق الشاعر سهيل صقر ” كذابين ما فيكن مسؤول قرطة سمسارين ما فيكن مسؤول يطلع يسأل المساكين ليشن بعدن جوعانين ، يطلع يسأل المساكين ليش عليكن منتفضين ريحتكم بنزين ولون الوجه فيول …” 

 

بسام ن ضو ( كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC )

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى