
بعد مرور ثمانمائة عام على وفاة القديس فرنسيس الأسيزي، يقدّم المعهد الثقافي الإيطالي في بيروت ومتحف الحرير في بسوس “الضوء والغبار”، وهو تركيب فنّي موقعي صُمِّم خصيصًا للبنان. ويُحيي هذا المشروع الذكرى المئوية الثامنة من خلال لغة الفن المعاصر، داعيًا الزوار إلى خوض تجربة تقوم على الإدراك والإصغاء والتأمل.
وتبدأ هذه التجربة بسؤال بسيط:
ما الذي يبقى من حياة إنسان بعد مرور ثمانية قرون؟
يكمن الجواب في ما يبقى.
شظية حجر.
نسيج شفاف معلّق.
خيط من الضوء.
وقع خطوات.
غبار.
صمت.
يستند “الضوء والغبار” إلى مفهوم وضعه الدكتور أنجيلو جويه، مدير المعهد الثقافي الإيطالي في بيروت. أسهمت سولا سعد في تشكيل الفضاء الفنّي للعمل، بينما تولّت دانا مخايل إدارة المشروع. ويحوّل العمل حدائق متحف الحرير ومساحاته التاريخية إلى بيئة غامرة تصبح فيها المادة والضوء والصوت والصمت لغة العمل الفنّي.
ويحضر القديس فرنسيس من خلال التساؤلات التي لا تزال سيرته تطرحها حتى اليوم: التواضع، والضيافة، والهشاشة، والسلام، وعلاقة الإنسان بالخليقة. وتتجسّد هذه الموضوعات من خلال مواد خام ونصوص محفورة وأصوات خافتة وضوء طبيعي تتيح لكل زائر حرية بناء تجربته الشخصية مع العمل الفنّي.
لقد وُلد هذا المشروع من لبنان ومن أجله. ففي بلد استطاع فيه الجمال أن ينجو مرارًا من الانكسارات، حيث تسكن الذاكرة الأمكنة كما تسكن البشر، وحيث يبقى العيش المشترك واقعًا يوميًا وتحديًا مستمرًا، يجد هذا العمل الفني صداه الثقافي والإنساني العميق المرتبط ارتباطا وثيقا بهذا المكان.
وينبثق “الضوء والغبار” من تعاون بين فنانين وحرفيين وموسيقيين ومصممين لبنانيين، تتلاقى ممارساتهم المختلفة في فضاء حسّي واحد. فالحجر والخشب والورق والحديد والأقمشة غير المعالجة والصوت والضوء تحفظ الذاكرة وتدعو إلى التأمل.
وتستمدّ اللغة البصرية للعمل إلهامها من التقشّف الروحي في أسيزي ولا فيرنا، فيما تستحضر الرؤية الإنسانية العميقة لدى جيوتو، حيث يتجلّى السموّ الروحي من خلال أبسط الإيماءات اليومية. ومن خلال أصداء تلك المرجعيات البعيدة، يجد “الضوء والغبار” صوته المعاصر الخاص في لبنان.
يتكشف المعرض عبر سلسلة من الفضاءات التي تدعو الزائر إلى إبطاء خطاه، وتعميق انتباهه، واحتضان ما هو غير محسوم. فلا شيء يُفرض، ولا شيء يُحسم. ويجد كل زائر مساره الخاص بين المادة والضوء والصمت.



