
يغيب الوعـي الشعبي عن التقييم الممنهج للعمل الحزبي في لبنان ، وتسود المرحلة السياسية عدم القدرة الشعبية على قراءة الواقع بموضوعية بعيدًا عن الشعارات الحزبية التي تطرحها الأحزاب اللبنانية . كما أننا في هذه المقالة نُشير إلى إفتقار الرأي العام تفنيد الخطب والسلوكيات الحزبية بناءً على الوقائع التي تحصل أمام عينيه ولا يُقيِّم الأمور والأفعال والأقوال التي غالبًا ما تصنف في خانة التضليل السياسي والإعلامي ، وهذا الأسلوب تنتهجه كل الأحزاب بمشاركة رجال دين مسيحيين ومُسلمين .
اللبنانيّون وبكل إنتماءاتهم يعانون من أزمات متشعبة وقاسية ( سياسية – أمنية – إقتصادية – مالية – إجتماعية) وكلها أزمات مترابطة أبرزها ما يحصل اليوم من حرب على الأرض اللبنانية وإنعكاساتها المدمِّرة على الواقع العام للشعب اللبناني. اللبنانيون في المرحلة الراهنة يعانون من أزمة ضياع ودائعهم في المصارف ويتهافتون على تقبيل يد زعيم ورجل دين ، كما إنهم يعانون من أزمة نزوح إنسانية وتراهم يمجدّون المسببين في تشريدهم وقتلهم وتهجيرهم …
في معرض بحثنا في ” جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني” ومن خلال دائرة ” الإحصاء المركزية ” تبيّن لنا أن حركة الوعي عند الرأي العام اللبناني هي مسار إنحداري بالإستناد إلى المواقف التي تعلن حاملةً الإنصياع لزعامات سياسية وروحية هي السبب المباشر للأزمة الراهنة، علمًا أنّ علم الإجتماع يُشير إلى أنّ ” درجة الوعي عند الرأي العام من المفترض أن تكون ضمن مسار علمي موضوعي إدراكي وثقافي مرتكزة على فهم الحقوق والهوية الوطنية الصرفة والولاء الوطني والمسؤولية الجماعية وعملية تغيير سياسي ديمقراطية ” .
لفتني اليوم في جلسة مجلس النوّاب أنّ المجلس أقّرَ فتح إعتماد إضافي لمنح العسكريين وموظفي القطاع العام ستة رواتب إضافية بمفعول رجعي إعتبارًا من الأول من أذار ، وبعد إستشارة أحد القانونيين المخضرمين أفدنا ” هذا الأمر هو بمثابة تشريع مُسيّسْ وتوظيف سن القوانين وتعديلها لتحقيق مصالح معينة ضيقة على حساب المصلحة العامة ، ويبرز هذه الأمر في ما تمّ تفصيله لخدمة نافدين وغياب المعايير الدستورية العادلة وتعطيل الرقابة القانونية ” من أين ستأتي الأموال لتمويل هذا القانون ؟” سؤال مطروح ولكن لا جواب قانوني عليه .
في الحياة الديمقراطية تؤثر خيارات الأحزاب السياسية وتوجهاتها بشكل مباشر على توجيه الرأي العام نحو الأحسن ، ولكن في لبنان الأحزاب الحالية غالبًا ما تلجأ إلى أساليب يصنفها علم السياسة بأنها ” تضليل ممنهج للمنتسبين بهدف تحقيق مكاسب سياسية “. هذا النهج إعتمدته كل الأحزاب اللبنانية ووجهت الرأي العام لكسب رضاه وللتغطية على الإخفاقات الحاصلة من خلال الأداء الحزبي .
إننا في “جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني” ندعـو الرأي العام لتنمية فكره النقدي وأن يتدرّبْ على كشف مغالطات حزبية منطقية ، كما عليه متابعة النقاشات السياسية خاصة تلك التي تجري بين الأحزاب المتحالفة والمتخاصمة ، وفي هذا الإطار سيتعلم الرأي العام عن طريق المراقبة لهذه الأفعال ما ستظهره الحقائق عن تلك الصراعات لنعطي مثل الإنتخابات النيابية الأخيرة كلهم أصرّوا على إجرائها ولكن جميعهم توافقوا على تأجيلها بموجب القانون 41 ( تمديد ولاية مجلس النوّاب تمديدًا إستثنائيًا ) .
من أخطـر الأعمال التي تنتهجها الأحزاب اللبنانية إنها تناقض نفسها بنفسها حين تدعو لإعتماد النهج الديمقراطي وهي في قرارة سلوكيتها لا تطبقه بالشكل المطلوب خصوصًا في دوائرها الخاصة ، وقد صدق قول المثل ” فاقد الشيء لا يعطيه” . الأحزاب اللبنانية أهدافها محصورة بتحقيق مآرب ومصالح شخصية وعمالة للخارج والأمثلة كثيرة : الهيمنة على المراكز سرقة المال العام وهدره – الإستحواذ على النفوذ في دوائر الدولة ، أي إعتماد التوظيف العشوائي . الأحزاب اللبنانية تسعى للوصول إلى السلطة على حساب مصالح الشعب ومصلحة الوطن ، وهذه الأمور من شأنها تدمير الحياة الديمقراطية وتدمير الوطن ونحر السيادة على ما هو حاصل اليوم .
شعبي اللبناني العزيز ، مؤسسات مهترأة – سوء أدارة – غياب الأحزاب الديمقراطية – لا إصلاحات – توظيف عشوائي مبان رسمية متهالكة – لا خطط إنقاذية – لجان غير مثمرة – مجلس نوّاب ينفق 55 مليون دولار خلال عام واحد حيث أقر 45 قانون بمعدل 1.2 مليون دولار كلفة لكل قانون – محسوبيات ومحاصصة – أوقاف مُسيّسة – نسبة الفقر بلغت 35% هجرة الأدمغة …
شعبي اللبناني العزيز ، تدرّبوا على الوقوف في وجه سماسرة الوطن ولا تهملوا مآسيكم ومصائبكم ، وتفرّغوا للعمل النضالي كي يبقى لبنان أرض الديمقراطية ؛ حتمًا يحتاج لرجال دولة أشدّاء أقوياء شرفاء ، لبنان لا يحتاج لمتسوّلين وقطّاع طرق ودكتاتوريين ، أحزابكم هي مصدر البلاء …
مسؤوليتكم أن تتحرروا من أحزابكم وتُحسنوا الإختيار .
الدكتور بول الحامض ( رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني )



