
في زمنٍ يواجه فيه لبنان تحديات مصيرية على المستويات السياسية والاقتصادية والوطنية، ترأس صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، صباح الأحد، في الصرح البطريركي في الديمان، قداس الشكر على تطويب البطريرك الطوباوي مار الياس بطرس الحويّك، مؤكدًا أن لبنان لا يُبنى بالانقسامات، بل بوحدة أبنائه، وبقيام دولة الحق والقانون، على مثال الحويّك الذي جمع بين القداسة وبناء الوطن، وجعل من الحرية والعيش المشترك رسالةً خالدة للبنان.
عاون غبطته في القداس المطران الياس نصار، النائب البطريركي العام، والمطران سيمون فضول مطران ابرشية سيدة البشارة افريقيا والزائر الرسولي على جنوب افريقيا, والمطرانوسمير مظلوم، والأب فادي تابت، أمين السر العام، والخوري كاميليو مخايل، أمين السر الخاص، والخوري ايلي سعادة والخوري نعمةالله مكرزل والخوري كريم جرجس والخوري جورج يرق، بحضور حشد من المؤمنين الذين شاركوا في رفع الشكر لله على نعمة تطويب مؤسس لبنان الكبير.
وفي عظته، انطلق البطريرك الراعي من إنجيل الأحد: «مَن ليس معي فهو عليّ، ومَن لا يجمع معي فهو يبدّد»، معتبرًا أن هذه الكلمة الإنجيليّة تختصر رسالة البطريرك الحويّك الذي لم يكن رجل انقسام، بل رجل لقاء ووحدة، جمع اللبنانيين حول الإنسان والوطن، وجعل من الحقيقة والعدالة أساسًا لكل مشروع وطني.
وأكد أن تطويب الحويّك لا يقتصر على تكريم شخصية تاريخية، بل هو إعلان أن القداسة قادرة على صناعة التاريخ، وأن الإيمان عندما يلتقي بالمسؤولية الوطنية يصبح قوة تبني الأوطان وتحفظ كرامة الإنسان.
ورحّب غبطته بموفد قداسة البابا، الكاردينال مارشيلو سيميرارو، الذي ترأس احتفال التطويب، معتبرًا أن حضوره يجسد عمق الشركة بين الكنيسة المارونية والكرسي الرسولي، ويؤكد المكانة التي يحتلها لبنان في قلب الكنيسة الجامعة.
واستعرض البطريرك الراعي أبرز محطات حياة الطوباوي الحويّك، منذ نشأته العلمية والكهنوتية، مرورًا بخدمته في بكركي، وصولًا إلى انتخابه بطريركًا، مشيرًا إلى أنه عاش متكلًا على العناية الإلهية، فاستحق أن يُعرف بـ«بطريرك الفقراء» بعدما فتح أبواب الكنيسة خلال مجاعة عام 1916 لإنقاذ الجائعين، وجعل من خدمة الإنسان أولوية رسالته.
كما توقف عند إنجازاته الكنسية والتربوية، من دعم الرهبانيات والإكليريكيات والمدارس، إلى تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات والنيابات البطريركية في عدد من بلدان الانتشار، مؤكدًا أن الحويّك آمن بأن نهضة الوطن تبدأ بتربية الإنسان.
وأفرد البطريرك الراعي حيّزًا واسعًا للبعد الوطني في رسالة الحويّك، معتبرًا أن أعظم إنجازاته تمثّل في قيادته المسيرة التي أفضت إلى إعلان دولة لبنان الكبير، بعدما حمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، مطالبًا باستقلاله، واستعادة حدوده التاريخية، وإنصاف شعبه، وصون سيادته، فنجح في تثبيت حق اللبنانيين بوطن حرّ وسيّد ومستقل، يتّسع لجميع أبنائه.
وأكد غبطته أن لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى استلهام هذه الرؤية الوطنية الجامعة، القائمة على الشراكة، واحترام التعددية، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون، بعيدًا عن الانقسامات والصراعات التي تُضعف الوطن.
وختم البطريرك الراعي داعيًا اللبنانيين إلى الاقتداء بالطوباوي الحويّك، والعمل معًا من أجل إعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين بوطنهم، بالصلاة والعمل والوحدة، لكي يبقى لبنان، كما أراده الحويّك، وطن الحرية والكرامة والعيش المشترك، ورسالة رجاء للشرق والعالم.



