بين تنظيم المهنة وتكميم الأفواه… قراءة مهنية في قانون الإعلام اللبناني الجديد

 

بقلم وائل خليل

منذ أن حملت الصحافة اللبنانية لواء الحرية في المشرق العربي، لم يكن الصراع الحقيقي بينها وبين السلطة صراعاً على النصوص فقط، بل على تفسير النصوص. فكم من قانون وُضع تحت عنوان التنظيم، ثم تحوّل في التطبيق إلى أداة تضييق، وكم من هامش حرية استُخدم ذريعةً للفوضى المهنية والتشهير والابتزاز.

لهذا السبب تحديداً، لا يمكن مقاربة قانون الإعلام اللبناني الجديد بعقلية المؤيد المطلق أو الرافض المطلق. فالقوانين لا تُقاس بالشعارات التي ترافق ولادتها، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار السلطة، وأمام إغراءات السياسة، وأمام نزوات أصحاب النفوذ.

لقد دفع الإعلام اللبناني أثماناً باهظة دفاعاً عن حرية الكلمة. من جبران تويني إلى كامل مروة، ومن سليم اللوزي إلى عشرات الصحافيين الذين واجهوا الترهيب والاغتيال والمنع والمحاكمات، فلم تكن المعركة يوماً من أجل امتيازات مهنية، بل من أجل حق المجتمع في المعرفة. ولذلك فإن أي قانون إعلام جديد يجب أن يُقرأ من هذا المنظار التاريخي قبل أي شيء آخر.

إنجازات لا يجوز إنكارها

بالمعيار المهني والحقوقي، يتضمن المشروع خطوات إصلاحية يصعب تجاهل أهميتها.

فإلغاء التوقيف الاحتياطي للصحافيين في قضايا النشر، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية، وإلغاء محكمة المطبوعات واستبدالها بغرف قضائية مدنية متخصصة، تشكل جميعها مطالب نادت بها المؤسسات الإعلامية والنقابات والمنظمات الحقوقية لسنوات طويلة. كما أن استبعاد القضاء العسكري عن قضايا الإعلام يُعدّ تطوراً يتماشى مع المعايير الدولية الحديثة لحرية التعبير.

كذلك لا يمكن تجاهل أهمية إدخال الإعلام الرقمي إلى المظلة القانونية للمرة الأولى بصورة أكثر وضوحاً، بعد سنوات طويلة من الفراغ التشريعي الذي جعل مئات المواقع والمنصات تعمل بين الواقع المهني والضباب القانوني.

ومن الإنصاف القول إن لبنان كان بحاجة فعلية إلى تحديث قانون يعود في جوهره إلى مرحلة مختلفة تماماً عن عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي.

لكن…

هنا تبدأ الأسئلة الصعبة:

فالخبرة الطويلة في العمل الإعلامي تعلمنا أن الخطر لا يكمن دائماً في المواد الواضحة، بل في المواد القابلة للتأويل.

حين يرد في القانون الحديث عن “خطاب الكراهية” أو “الأخبار المضللة” أو “إثارة الفتنة”، فإن المبدأ بحد ذاته مشروع بل وضروري. فلا أحد يدافع عن التحريض الطائفي أو نشر الأكاذيب أو استخدام الإعلام منصة للابتزاز.

لكن السؤال الجوهري يبقى:

من يحدد مفهوم الكراهية؟ ومن يقرر أن الخبر مضلل؟ وأين تنتهي الحماية المشروعة للمجتمع وتبدأ الرقابة على الرأي؟

ففي الأنظمة الديمقراطية الراسخة، تكون هذه المفاهيم مضبوطة بتعريفات دقيقة للغاية. أما في الدول التي تعاني من الانقسامات السياسية والطائفية، فإن المصطلحات الفضفاضة قد تتحول بسهولة إلى أدوات تستخدم ضد المعارضين أكثر مما تستخدم ضد المخالفين الحقيقيين.

شعرة واحدة بين الحرية والفوضى

الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها هي أن حرية التعبير والفوضى الإعلامية لا يفصل بينهما سوى شعرة واحدة.

فالصحافة ليست حقاً فقط، بل مسؤولية أيضاً.

والمؤسسة الإعلامية ليست منصة للاتهام المجاني، كما أنها ليست مكتب علاقات عامة للسلطة.

ومن هنا فإن تنظيم المهنة ليس جريمة بحد ذاته، بل قد يكون ضرورة لحماية المهنة من الدخلاء ومن الابتزاز الإعلامي ومن تجارة الأخبار الكاذبة.

لكن في المقابل، فإن شعرة واحدة أيضاً تفصل بين تنظيم المهنة وتكميم الأفواه.

فعندما تصبح معايير التنظيم غير واضحة، أو عندما تتوسع سلطة الرقابة، أو عندما يشعر الصحافي أنه قد يتعرض للعقاب بسبب اجتهاد مهني مشروع، تتحول الحماية إلى تهديد، ويتحول التنظيم إلى قيد.

ما الذي غاب عن القانون؟

رغم أهمية النقاش الدائر حول الحريات، فإن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية جرى تجاهله نسبياً.

فأزمة الإعلام اللبناني اليوم ليست قانونية فقط بل إنها أزمة بقاء.

فمئات الصحافيين فقدوا وظائفهم خلال السنوات الأخيرة، ورواتب العاملين في القطاع تراجعت بصورة دراماتيكية، فيما تعاني مؤسسات إعلامية عريقة من أزمات مالية خانقة، لذلك كان كثيرون ينتظرون معالجة أعمق لمسائل:

– شفافية الملكية الإعلامية.

– مصادر التمويل.

– حماية الصحافيين اجتماعياً.

– الضمانات المهنية للعاملين.

– استقلالية المؤسسات عن التمويل السياسي.

لأن حرية الصحافة لا يهددها السجن فقط، بل يهددها أيضاً الفقر والارتهان المالي، فالصحافي الذي يخشى على لقمة عيشه قد يصبح أكثر عرضة للضغوط من الصحافي الذي يخشى الملاحقة القضائية، لذلك الدرس الذي يجب ألا ننساه هو انه وفي كل مرة عبر التاريخ العربي رفعت فيها السلطة شعار “تنظيم الإعلام”، كان الإعلاميون يسألون السؤال نفسه:

هل الهدف تنظيم المهنة أم تنظيم الأصوات؟

وفي كل مرة رفع الإعلام شعار “الحرية المطلقة”، كان المجتمع يسأل السؤال المعاكس:

هل المقصود حماية الحرية أم حماية الفوضى؟

لهذا فإن الحكمة لا تكمن في الانحياز إلى أحد الطرفين، بل في بناء توازن دقيق بينهما.

فلا دولة ديمقراطية بلا إعلام حر.

ولا إعلام محترفاً بلا مساءلة.

ولا حرية تعبير حقيقية إذا كان الصحافي يخشى السجن.

ولا مهنية حقيقية إذا كان بإمكان أي شخص نشر الأكاذيب والإفلات من المحاسبة.

كلمة أخيرة إلى الزملاء وإلى وزارة الإعلام

إذا كان القانون الجديد يمثل بالفعل فرصة تاريخية لتحديث القطاع الإعلامي اللبناني، فإن نجاحه لن يقاس بعدد مواده ولا بعدد المؤتمرات التي رافقت إعداده.

سيُقاس يوم يقف صحافي أمام القضاء بسبب تحقيق استقصائي أزعج نافذاً سياسياً.

عندها فقط سنعرف إن كان القانون وُضع لحماية الصحافة أم لحماية السلطة.

وسيُقاس يوم تنشر مؤسسة إعلامية رأياً مخالفاً للسائد دون خوف أو ترهيب.

وسيُقاس يوم يصبح القانون مظلةً للحرية لا سقفاً لها.

عندها فقط يمكن القول إن لبنان لم يكتب قانوناً جديداً للإعلام فحسب، بل كتب فصلاً جديداً في تاريخ الحرية التي طالما كانت جوهر رسالته الإعلامية.

وائل خليل

مخرج فني ورئيس تحرير Lebanon Gate

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى