فضائح داخل المدارس.. قرطاسية تهلك جيوب الأهالي والادارات تعقد صفقات على حسابهم!

في أول أسبوع من أيلول، تقف أم أمام رف مكتبة في بيروت، تمسك بورقة مطبوعة تحمل ترويسة مدرسة خاصة، وتقرأ: “دفتر رسم A3 نوع ألماني”. تنظر إلى السعر: 8 دولارات ونصف. ثم تنتقل إلى البند التالي: “علبة ألوان ماركة محددة – 14 دولاراً”. تضع الورقة في حقيبتها وتخرج من المكتبة، لم تشترِ شيئاً بعد.

هذا ما يحصل فعليا اليوم قبل بدء موسم المدارس، حيث قدرت جولة ميدانية أجرتها “اللبنانية” أن سلة القرطاسية لتلميذ المرحلة الابتدائية لا تقل عن 300 دولاراً، وتتجاوز في بعض الاماكن 400، من دون احتساب القسط المدرسي. هذا الرقم ليس متوسطاً وطنياً، بل خلاصة مقارنة فواتير وأسعار في لبنان. لكن الرقم وحده لا يفسر الظاهرة. السؤال الحقيقي: من يحدد اللائحة؟ ومن يستفيد من بنودها؟

اللائحة ليست قائمة حاجيات بل عقد شراء
المستورد جورج ن.، صاحب مكتبة في فردان، يقول لـ”اللبنانية”: “اللوائح تقول (أو ما يعادله)، لكن المعلمة أحياناً ترفض الدفتر المحلي بسبب نوع الورق أو سماكته. الوكيل الحصري للعلامة يبيع دفتر الرسم بـ8 دولارات، بينما المستورد المباشر من الصين يبيع دفتراً بالمواصفات نفسها بـ1.2 دولار. لكن اللائحة لا تسمح بذلك.”

النتيجة أن ولي الأمر لا يشتري اللوازم، بل يشتري “تأميناً” ضد رفض المعلمة. يدفع أكثر ليضمن ألا يعود ابنه إلى البيت حاملاً دفتراً غير مقبول.

من يمنع إعادة الاستخدام؟
أمين سر سابق في مدرسة خاصة، فضل عدم كشف اسمه لأنه ما زال يعمل في القطاع، يشرح عبر اللبنانية: “المدارس الخاصة تتعامل مع اللوازم كمصدر دخل غير معلن. هناك عقود تجارية بين الإدارة وموردين. إذا سمحت المدرسة بإعادة استخدام دفاتر قديمة، سيخسر المورد. بعض الإدارات تحصل على نسبة من مبيعات المكتبة الملحقة.”

وفي جولة المكتبات ظهرت ظاهرة معاكسة للمنطق. منتجات “صناعة لبنانية” تُباع بأسعار أعلى من المستورد الصيني أو التركي. دفتر لبناني من 96 صفحة يباع بـ3.5 دولارات، بينما المصري المستورد بالمواصفات نفسها يباع بـ2.1 دولار. مقص لبناني بـ4 دولارات، والصيني بمقاس مماثل بـ1.5 دولار.

أحد المستوردين يقول لـ”اللبنانية”: “المنتج المحلي لم يعد أرخص. المصنع اللبناني يستورد المواد الخام بالدولار الطازج، ثم يضيف كلفة المولدات والنقل. المستورد الصيني أو التركي يستفيد من عملة بلده الضعيفة ودعم التصدير. النتيجة أن المحلي أصبح رمزاً للفخامة غير المبررة.”

ماذا تقول الأرقام؟
جمعت “اللبنانية” 34 فاتورة شراء فعلية من أولياء أمور، مع حجب الأسماء. الأرقام التالية تمثل الحد الأدنى، لا المتوسط:

سلة مستلزمات تلميذ ابتدائي من دون تابلت: 450 دولاراً.

السلة نفسها مع تابلت إلزامي: 630 دولاراً.

أعلى سعر رصدته اللبنانية لدفتر رسم واحد: 8.5 دولارات.

40% من المدارس تفرض علامات تجارية أو موردين محددين.

60% تمنع إعادة استخدام أدوات السنة السابقة.

الرقم الأخير هو الأهم. منع إعادة الاستخدام يعني أن العائلة تدفع كل سنة كأنها أول سنة. يعني أن السوق المدرسي يتجدد بالكامل في أيلول، بلا مخزون وبلا ذاكرة.

اللائحة المدرسية في لبنان لم تعد قائمة حاجيات. إنها وثيقة اقتصادية توزع الأدوار: المدرسة تضع البنود، المورد يلتقط الحصرية، ولي الأمر يدفع من دون أن يسأل.

غياب “قائمة بيضاء” حكومية تحدد سقوفاً للأسعار، وغياب رقابة على العقود بين المدارس والمكتبات، يعني أن 300 و 400 دولاراً قد تتحول في السنوات المقبلة إلى 600 أو 700، من دون أن يتغير شيء في المنهاج أو جودة التعليم.

الدفتر الذي يباع بـ8 دولارات لا يكتب أفضل من الذي يباع بدولارين. الفرق أن الأول مذكور في اللائحة، والثاني غير موجود.

المصدر: اللبنانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى