
احتفل مجلس كنائس الشرق الأوسط بافتتاح زمن الخليقة 2026 في لبنان، مساء الأحد 6 أيلول/سبتمبر، في الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت، من خلال خدمة صلاة مسكونية حملت شعار هذا العام «الماء الحي»، وجمعت ممثلين عن مختلف العائلات الكنسية في لقاء صلاة وشركة وتأمل في عطية الماء ومسؤولية الإنسان في العناية بالخليقة.
شارك في الاحتفال حضرة القسّ د. بول هايدوستيان، رئيس اتّحاد الكنائس الأرمنيّة الإنجيليّة في الشرق الأدنى، رئيس جامعة هايكازيان في لبنان، ورئيس مجلس كنائس الشرق الأوسط عن العائلة الإنجيليّة، والأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس، إلى جانب عدد من المطارنة والكهنة والقساوسة والرهبان والراهبات، وممثلين عن الكنائس والمنظمات والحركات الشبابية، وحشد من المؤمنين.
وأحيت خدمة الصلاة جوقات ومرنّمون من تقاليد كنسية مختلفة، هم جوقة لوداتو سي مع الشدياق شربل بو مشرق، والمرنّم الشماس غازار كوشكريان يرافقه على البيانو هامبيك مارديروسيان، وجوقة من شبيبة الكنيسة الإنجيلية الوطنية، وجوقة القديس ثيوفانيس المرنّم، في لوحة موسيقية عكست غنى التقاليد الكنسية وتنوّعها في وحدة الصلاة والتسبيح.
الخليقة مساحة للقاء والوحدة
استُهلّ الاحتفال بكلمة ترحيبية ألقتها حضرة القسّيسة د. ريما نصراللّه، رئيسة الاتّحاد الإنجيلي الوطني في لبنان، وراعية الكنيسة الإنجيليّة الوطنيّة في بيروت، رحّبت فيها بالمشاركين، مشيرة إلى أن الكنيسة تحمل منذ سنوات راية العناية بالخليقة، ومذكّرة بأن الدعوة إلى تخصيص يوم للصلاة من أجل الخليقة انطلقت من البطريركية المسكونية في القسطنطينية عام 1989، قبل أن تتّسع لتشمل كنائس عديدة حول العالم، بدأت هذه السنة بالاحتفال بعيد الخلق.
وشدّدت نصرالله على البعد المسكوني لزمن الخليقة، قائلة إن «من الجميل أن تصبح الخليقة أيضًا مساحةً جديدة للقاء بين الكنائس، وخطوةً على طريق الوحدة المسيحية. فنحن، على اختلاف تقاليدنا، نعيش على أرض واحدة، ونشرب من المياه ذاتها، ونواجه معًا جراح هذه الخليقة».
وفي حديثها عن شعار «الماء الحي»، أشارت إلى أن الماء هو عطية الحياة، وأن اللبنانيين يعرفون جيدًا قيمة هذه العطية وما يعنيه شحّ المياه أو تلوثها وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة. كما ربطت بين الماء في الخليقة وماء المعمودية، داعية إلى تجديد الالتزام بأن نكون «حماةً للمياه وخدّامًا أمناء لخليقة الله».
مياه لبنان تلتقي في جرن المعمودية
وتميّزت خدمة الصلاة برمزية خاصة جسّدت موضوع «الماء الحي»، إذ تقدّم شبان وشابات حاملين مياهًا أتوا بها من بيئات ومناطق لبنانية مختلفة، من الجنوب والبقاع والبحر والجبل، وصبّوها معًا في جرن المعمودية.
وقد عبّر هذا المشهد عن لقاء المياه المختلفة في جرن واحد، كما تلتقي الكنائس، على تنوّع تقاليدها، في المسيح الواحد والإيمان الواحد والمعمودية الواحدة.
وفي ختام الخدمة، شارك ممثلون عن الكنائس في رتبة تقديس المياه، ثم رُشّ الحاضرون بالماء المبارك بواسطة غصن زيتون، استذكارًا للمعمودية وتجديدًا للالتزام المسيحي بحماية المياه والعناية بالخليقة. كما حمل المشاركون معهم في نهاية الاحتفال قوارير من الماء المبارك إلى بيوتهم، لتكون علامة تذكّر ببركة الله للخليقة وبالدعوة إلى صونها.
«حيث يوجد موت، اجعلنا نحمل الحياة»
وألقى العظة سيادة المطران د. مار سويريوس روجيه أخرس، النائب البطريركي للدراسات السريانية في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، منطلقًا من قول النبي حزقيال: «ويكون أنّ كل نفس حيّة تدبّ حيثما يأتي النهر، تحيا» (حزقيال 47: 9).
وقدّم المطران أخرس قراءة كتابية وآبائية لصورة المياه الخارجة من الهيكل في سفر حزقيال، رابطًا إياها بإنجيل يوحنا وبالماء والدم الخارجين من جنب المسيح، ومستعيدًا تفسير القديس مار يعقوب السروجي الذي يرى في النهر صورة للمسيح وبشارته، وفي الأشجار النامية على ضفتيه صورة للبشر الذين يشربون من مياه المعمودية، فتكون ثمارهم إيمانهم وأعمالهم وأوراقهم كلمات تشفي وتمنح الحياة.
وقال: «لسنا مجتمعين اليوم لكي نتحدث عن الطبيعة وكأن الطبيعة موضوع خارجي عن إيماننا. نحن قطرات المياه المجتمعة في النهر الحيّ، نحن السمك في مائه، نحن الأشجار على ضفافه، ونحن أيضًا ثمار وأوراق ينبغي أن تهب الحياة والشفاء للآخرين».
وشدّد على أن زمن الخليقة يدعو المؤمنين إلى «حفظ عذوبتنا، لنقي عذوبة الخليقة»، محذرًا من «ملوحة» الأنانية والجشع واللامبالاة والانقسام. كما أبرز أهمية الاحتفال المسكوني بزمن الخليقة، مؤكدًا: «نحن، في المسيح الواحد، فروعٌ من نهر واحد للحياة. قد تختلف تقاليدنا، ولغاتنا، وطقوسنا، وذاكراتنا، وطرق تعبيرنا عن الإيمان. لكن الماء الذي نطلبه هو ماء الحياة نفسه».
واختتم صلاته بالقول: «حيث يوجد موت، اجعلنا نحمل الحياة. وحيث توجد ملوحة، اجعلنا نحمل العذوبة. وحيث يوجد انقسام، اجعلنا نكون مجرى للمصالحة. وحيث توجد جراح في الخليقة، اجعلنا أوراقًا للشفاء».
الماء عطية وحياة ووديعة
وفي ختام الاحتفال، ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس كلمة المجلس، دعا فيها إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بالخليقة «لا بوصفها مجرد إطار مادي نعيش فيه، بل بوصفها عطية من الله ووديعة وضعها الخالق بين أيدينا، لكي نحسن استعمالها ونصونها وننقلها إلى أجيال لم تولد بعد».
وتوقف عند المكانة المركزية للمياه في حياة الإنسان والمجتمعات، من الجسد والصحة والغذاء إلى الزراعة والطاقة والاستقرار الاجتماعي، مشددًا على أن الأمن المائي هو أيضًا أمن اجتماعي واقتصادي.
كما حذّر من تحويل الماء، الذي وهبه الخالق للحياة، إلى سبب للنزاع أو وسيلة للسيطرة والضغط، مؤكدًا أن «المياه ليست سلعة عادية، ولا موردًا يجوز التعامل معه بمنطق القوة وحدها. إنها حاجة أساسية لكل إنسان، وعطية لا يمكن لأي جيل أن يدعي ملكيتها المطلقة».
وربط عبس بين المسؤولية البيئية والمعنى الروحي للماء في الإيمان المسيحي، ولا سيما في المعمودية، متسائلًا: «إذا كنا نعتبر الماء مادة مقدسة في فعل المعمودية، فكيف يمكن أن نقبل بتلويث الأنهار والبحار والينابيع؟ وإذا كنا نرى فيها علامة للحياة الجديدة، فكيف نهدرها أو نحرم منها الفقير أو نحولها إلى وسيلة للضغط والسيطرة؟».
ودعا الكنائس، مع الاقتراب من عام 2030، إلى استعادة المعنى الروحي والمسكوني لمعمودية السيد المسيح، وجعل الماء مناسبة للتأمل في مسؤولية البشر تجاه الخليقة والأجيال المقبلة.
واختتم كلمته بالتأكيد:
«فالماء عطية، والعطية تستوجب الشكر.
والماء حياة، والحياة تستوجب الحماية.
والماء علامة للتجدد، والتجدد يستوجب الأمانة.
والماء وديعة من الخالق، والوديعة تستوجب أن نصونها لمن يأتي بعدنا».
صلاة وشركة من أجل البيت المشترك
وأعقب خدمة الصلاة مائدة محبة ولقاء أخوي في باحة الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت، أتاح للمشاركين من مختلف الكنائس والمؤسسات مواصلة اللقاء بروح من الشركة والمحبة المسكونية.
ويندرج هذا الاحتفال ضمن برنامج «العناية بالخليقة – Care for Creation» الممتد على ثلاث سنوات، والذي ينفّذه مجلس كنائس الشرق الأوسط، من خلال دائرة الشؤون اللاهوتية والعلاقات المسكونية، بدعم من Danmission، بهدف تعزيز اللاهوت البيئي، وترسيخ المسؤولية المسيحية تجاه الخليقة، وتطوير المبادرات الكنسية والمسكونية الرامية إلى حماية بيتنا المشترك.



