العميد المتقاعد هاني غصين- لبنان بين قسوة الأزمة وغياب ردّ الجميل

 

 

في لبنان، لم تعد الأزمة تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تركته في حياة الناس من تعب وقلق وفقدان للأمان الاجتماعي. المواطن اللبناني يدفع ثمن أزمات لم يصنعها، ويُطلب منه في كل مرة أن يتحمّل المزيد، وكأن الصبر أصبح حقًا مكتسبًا للدولة على حساب حقوق شعبها.

الموظفون المدنيون يعيشون تحت ضغط متواصل؛ رواتب لا تواكب الغلاء، خدمات تتراجع، واحتياجات أساسية أصبحت عبئًا يوميًا. ومع ذلك، يبقى الموظف متمسكًا بعمله ومسؤوليته، ويحاول أن يحافظ على كرامته في ظروف لا ترحم.

أما العسكريون، فقصتهم أكثر قسوة. هؤلاء لم تكن خدمتهم وظيفة عادية تنتهي بانتهاء الدوام، بل كانت التزامًا وتضحية واستعدادًا دائمًا لتحمّل المخاطر دفاعًا عن الوطن وأمن الناس. واليوم، بعد سنوات الخدمة، يصل كثير من العسكريين إلى التقاعد ليجدوا أنفسهم أمام واقع لا يوازي ما قدّموه.

والأشد إيلامًا أن العسكري المتقاعد، الذي أمضى سنوات عمره في خدمة الدولة، ينتظر حقوقه ومساعداته التي من المفترض أن تكون جزءًا من ردّ الجميل له، لا منّةً عليه.

من خدم الدولة عندما كانت بحاجة إليه، من حقه أن يجد الدولة إلى جانبه عندما يحتاج إليها.

لا يجوز أن تكون التضحية مطلوبة في وقت الخدمة، ثم تُنسى الحقوق عند التقاعد. ولا يجوز أن يُقال للعسكري: أدِّ واجبك كاملًا، ثم عندما تنتهي خدمتك انتظر وعودًا لا تتحول إلى واقع.

الدولة تُقاس بعدالتها مع مواطنيها، والأخلاق الوطنية لا تكون في تكريم العسكري يوم خدمته فقط، بل في حفظ كرامته عندما يتقاعد. فمن حمل مسؤولية الوطن في أصعب الظروف، يستحق أن يحمل الوطن مسؤوليته في أصعب أيامه.

إنصاف الموظفين المدنيين، وحماية حقوق العسكريين والمتقاعدين، ليست مطالب إضافية، بل هي جزء من معنى الدولة نفسها.

فردّ الجميل ليس شعارًا يُقال في المناسبات، بل حق يُترجم إلى قرارات وإنصاف وكرامة. ومن أعطى وطنه سنوات عمره كاملة، لا يجوز أن يُترك اليوم وحيدًا أمام قسوة الأزمة.

العميد المتقاعد هاني غصي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى