
ليست كل الكتب التي تتناول المال العام تشبه بعضها. بعضها يكتفي بعرض الأرقام، وبعضها يغرق في المصطلحات والقوانين، فيما يأتي كتابٌ آخر ليقول ما ينبغي أن يُقال، ويفتح الملفات التي اعتدنا أن نمرّ أمامها من دون أن نتوقف كثيرًا.
هذا ما فعلته الدكتورة بولين ديب في كتابها «الموازنة العامة بين الواقع والمرتجى»، الذي كان محور الندوة التي استضافتها نقابة المحامين في بيروت، بالتعاون مع المنشورات الحقوقية صادر، في لقاء جمع أهل القانون والإدارة والمال والفكر حول كتاب اختار أن يضع الإصبع على الجرح.
فالكتاب، الذي يرتبط بالأطروحة التي قدمتها الدكتورة ديب لنيل الدكتوراه، لا يبدو مجرد دراسة أكاديمية تُضاف إلى رفوف المكتبات، بل محاولة جريئة للاقتراب من واقع الموازنة العامة، وطرح الأسئلة حول كيفية إعدادها وإدارتها، ومدى انسجامها مع الأصول والمبادئ التي يفترض أن تحكم المال العام.
ومن هنا كانت أهمية هذه الدراسة، ومن هنا أيضًا كانت الجرأة التي توقف عندها المتحدثون في الندوة. فأن تكتب في الشأن العام يعني أن تدخل إلى منطقة حساسة، وأن تقترب من مكامن الخلل بدل الاكتفاء بوصف الصورة من بعيد. والدكتورة بولين ديب اختارت أن تقول ما لديها بوضوح، وأن تضع أمام القارئ واقعًا يحتاج إلى الكثير من المراجعة والتصويب.
كتاب يفتح السؤال ولا يكتفي بالجواب
ما يميز العمل أن الموازنة لا تظهر فيه كجدول أرقام جامد، بل كمرآة لطريقة إدارة الدولة لمواردها وأولوياتها. ولذلك فإن النقاش حولها يتجاوز الحسابات والمواد القانونية، ليصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين المال العام والمسؤولية العامة.
ولعل العبارة الأهم التي يمكن أن تختصر روح الكتاب هي أن الموازنة ليست مجرد أرقام تُرصد، بل قرارٌ يرسم اتجاه الدولة ويكشف أولوياتها.
ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث عن الفوضى أو غياب المبادئ في إدارة الموازنة حديثًا عن خلل أوسع، يحتاج إلى إصلاح في الثقافة الإدارية والرقابية كما يحتاج إلى إصلاح في النصوص والإجراءات.
وقد جاءت كلمات المشاركين في الندوة لتضيء جوانب مختلفة من هذا العمل، ولتشيد بالجهد العلمي الذي بذلته الدكتورة ديب، وبشجاعتها في تناول موضوع بهذه الحساسية، وهي إشادة تحمل في طياتها اعترافًا بأهمية أن يبقى البحث الأكاديمي قريبًا من قضايا الناس والدولة، لا حبيس الجامعات والكتب.
بولين ديب… الأكاديمية التي اختارت المواجهة بالمعرفة
في شخصية الدكتورة بولين ديب يلتقي الاختصاص الأكاديمي بالخبرة العملية في الإدارة العامة والرقابة المالية. وهذا ما يمنح كتابها خصوصيته؛ فهي لا تكتب عن موضوع بعيد عنها، بل عن مجال تعرف تفاصيله، وتدرك مكامن قوته وضعفه، وتعرف أن إصلاح الإدارة يبدأ أولًا من الاعتراف بمواطن الخلل.
وإذا كانت بعض الدراسات تخشى الاقتراب من «الجرح»، فإن بولين ديب اختارت أن تقترب منه، وأن تضع يدها عليه، لا بهدف التشهير أو تسجيل المواقف، بل بهدف طرح السؤال: كيف ننتقل من الواقع الذي نعيشه إلى الواقع الذي نرتجيه؟
وهنا تحديدًا تكمن قيمة العنوان نفسه: «بين الواقع والمرتجى».
مسافةٌ تفصل ما هو قائم عما يفترض أن يكون، وبين الاثنين مساحة واسعة من العمل والمسؤولية والإصلاح.
وحين يكون ماجد بو هدير هو من يدير الحوار…
أما إدارة الندوة، فكانت للإعلامي ماجد بو هدير، الذي أضفى على المناسبة حضوره الخاص وأسلوبه الذي يعرف كيف يمنح الكلمة قيمتها.
ماجد بو هدير ليس من أولئك الذين يكتفون بقراءة الأسماء أو الانتقال من متحدث إلى آخر. حين يمسك بالكلمة، تشعر أن اللغة نفسها أصبحت جزءًا من المناسبة. كلماته مرصوفة رصفًا، كأنها جواهر اختار لكل واحدة منها مكانها بعناية؛ لطيفة، أدبية، عميقة، وفيها من السلاسة ما يجعل المستمع يتمنى لو أن الحديث لا ينتهي.
وفي أمسية تدور حول كتاب أكاديمي وقانوني ومالي، كان حضوره إضافة إنسانية وثقافية جميلة، جعلت من تقديم الندوة مساحة أخرى للكلمة الجميلة.
حين يصبح الكتاب مسؤولية
في زمن تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات، وتصبح الإدارة العامة أمام أسئلة صعبة، تأتي مثل هذه الدراسات لتعيد التذكير بأن الإصلاح يبدأ من المعرفة، وأن مواجهة الخلل تحتاج قبل كل شيء إلى شجاعة الاعتراف به.
وهذا ربما هو أجمل ما يمكن أن يُقال عن كتاب الدكتورة بولين ديب:
أنه لم يكتفِ بأن يقرأ الموازنة، بل حاول أن يقرأ ما وراء الموازنة؛ أن يقرأ طريقة تفكير الإدارة، وأسلوب إدارة المال العام، والفجوة بين ما هو موجود وما يجب أن يكون.
وفي زمن نحتاج فيه إلى من يجرؤ على وضع الإصبع على الجرح، تبقى قيمة الكتاب في أنه فعل ذلك بالقلم، وبالبحث، وبالمعرفة.
فكل إصلاح يبدأ بسؤال…
وكل سؤال شجاع يحتاج إلى من يجرؤ على طرحه.



