الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تدعو إلى تدخل عاجل لحماية 148 حدثاً في مركز الوروار

 

دعت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب إلى تدخل حكومي عاجل ومنسّق لمعالجة أوضاع الأطفال المحرومين من حريتهم في مركز تأهيل الأحداث المخالفين للقانون في الوروار، بعد زيارة ميدانية مفاجئة وشاملة نفذها فريق من الهيئة في 17 أيلول 2026، وكشفت في تقرير مفصل عن فجوات جدية بين الضمانات القانونية المقررة للأطفال وبين ظروف الإقامة والرعاية والحماية المتوافرة فعلياً داخل المركز.

شارك في الزيارة رئيس الهيئة الدكتور فادي جرجس، ومفوض العلاقات الدولية والإعلام بسام القنطار، والخبيرتان المتعاقدتان مع الهيئة المحاميتان نايلة نحلة ونيكول غانم. وبدأ الفريق أعمال الرصد في ساعات الصباح الباكر، فجال في الأجنحة وغرف الإقامة والعزل والمرافق الصحية وأماكن الأنشطة والتدريب والمشاغل والملاعب وغرفة المواجهات. كما اجتمع برئيس المركز العقيد رواد المصري والمرشدة الاجتماعية ريتا دعيبس، وتواصل مع أغلبية الأحداث الموجودين، من خلال أحاديث جماعية ومقابلات قصيرة ومقابلات فردية أكثر تفصيلاً، واستمع إلى عدد من العاملين والعناصر المكلفين بالحراسة والإشراف.

واستندت الزيارة إلى المعاينة المباشرة والمقابلات ومقارنة المعلومات المتاحة بأحكام القانون اللبناني واتفاقية حقوق الطفل وقواعد الأمم المتحدة لحماية الأحداث المجردين من حريتهم «قواعد هافانا» وقواعد بكين وسائر المعايير الدولية ذات الصلة. وحرص التقرير على التمييز بين الوقائع التي عاينها الفريق بنفسه، والمعلومات التي قدمتها الإدارة والعاملون، وإفادات الأحداث وادعاءاتهم التي تتطلب تحقيقاً مستقلاً. ولا ينسب التقرير مسؤولية فردية أو مؤسسية نهائية قبل استكمال التحقق، لكنه يؤكد أن تكرار بعض الإفادات وخطورتها يوجبان التحرك من دون تأخير.

وسجل الفريق مخاطر عاجلة مرتبطة بغرف العزل الواقعة في الطابق العلوي. فقد أظهرت المعاينة أن ظروف النظافة والمياه والمرافق الصحية والنوم فيها لا تؤمّن بيئة مناسبة لإقامة طفل، سواء استُخدمت للحجر الصحي أم لأغراض تأديبية. وأفاد عدد من الأحداث بأن هذه الغرف تُستخدم أحياناً عقب مشاجرات أو مخالفات، وبأن بعضهم قد ينام على الأرض، فيما وردت ادعاءات متكررة عن تعرض أحداث للضرب قبل إدخالهم إليها. كما أفاد أحداث بأن الإشراف البشري الدائم غير متوافر في الطابق، وأن مرور العناصر يقتصر في أحيان كثيرة على تقديم الطعام أو الاستجابة لسبب محدد.

وشددت الهيئة على أن العزل الانفرادي للأطفال كعقوبة تأديبية محظور بموجب قواعد هافانا، لما قد يتركه من آثار خطرة في النمو النفسي والبدني. وطالبت بوقف استخدام العزل تأديبياً فوراً، وتقييم سلامة جميع الموجودين في غرف العزل، وضمان المياه والفراش والنظافة والإشراف المستمر، مع تخصيص مساحة صحية ملائمة للحالات التي تتطلب عزلاً طبياً ضمن خطة علاجية ووقائية واضحة.

وفي مجال الصحة، رصد الفريق استمرار حالات الجرب والفطريات والحساسيات والالتهابات الجلدية، في ظل نقص المياه وتدني النظافة وعدم انتظام توفير الأدوية. كما ظهرت حالات تستدعي علاجاً متخصصاً أو تدخلاً جراحياً، بينها إزالة صفائح أو أسلاك أو غرز مرتبطة بإصابات سابقة. ولا يضم المركز طبيباً أو ممرضاً متفرغاً أو حاضراً بصورة منتظمة؛ إذ تعتمد المعاينات، عند الحاجة، على نقل الحدث إلى مركز طبي تابع لقوى الأمن الداخلي في عاريا، من دون توافر وسيلة نقل مخصصة للمركز.

ولاحظ التقرير أيضاً محدودية خدمات الصحة النفسية والاجتماعية قياساً إلى عدد الأحداث واحتياجاتهم. وتضمنت الإفادات إشارات إلى محاولات سابقة لإيذاء النفس أو الانتحار والهروب، وإلى حالات تحرش أو عنف بين بعض الأحداث. ورأت الهيئة أن هذه المؤشرات تستدعي تقييماً فردياً منتظماً للمخاطر، وتدابير حماية فورية، وخطط متابعة نفسية واجتماعية سرية، بدلاً من الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الحوادث.

أما الظروف المعيشية، فأظهرت المعاينة نقص المياه في عدد كبير من المرافق الصحية وتعطل بعض الحنفيات، إلى جانب تراكم النفايات وانبعاث روائح قوية، ووجود شراشف وأغطية ممزقة ومهترئة. وفي التغذية، بدت كمية إحدى الوجبات التي عاينها الفريق غير كافية لنحو عشرة أحداث، فيما لوحظ أن لحماً مفرومًا مقدماً في إحدى الوجبات لم يكن مطهواً بصورة تامة. وطالبت الهيئة برقابة صحية منتظمة على كميات الطعام وإعداده وطهيه وحفظه ونقله، وبمعالجة فورية لمشكلات المياه والنفايات والصيانة والأمراض المعدية.

وكشفت الزيارة ثغرة إضافية في منظومة الحماية، إذ لا تغطي كاميرات المراقبة الممرات الفاصلة بين الأجنحة وعدداً من المساحات الأخرى. وأفاد رئيس المركز بأن عدد الكاميرات غير كافٍ، وأن جهاز التسجيل وحفظ البيانات الرقمي متوقف بسبب انتهاء عقد الصيانة وعدم توافر التمويل لإصلاحه، ما يحول دون الرجوع إلى التسجيلات عند وقوع حادث أو ادعاء يستوجب التحقيق. كما أفاد بوجود نقص حاد في عديد العناصر قياساً إلى مساحة المركز والمهام المطلوبة وعدد المحتجزين البالغ 148 شخصاً. وقد عاين رئيس الهيئة، وقت الزيارة، وجود عنصر واحد فقط مكلف بحراسة ثلاثة أجنحة موزعة على طابقين وتضم مجتمعة هذا العدد من المحتجزين.

ورأت الهيئة أن هذا النقص يهدد سلامة الأحداث والعاملين ويضعف القدرة على منع العنف والاستجابة للحوادث والطوارئ الطبية. كما يساهم في استمرار إسناد أدوار إشرافية فعلية إلى بعض الأحداث المعروفين بـ«الشاويش». ووردت إفادات عن تدخل بعضهم في توزيع المستلزمات وتنظيم الاتصالات والتأثير في حصول الآخرين على الخدمات، بما قد ينشئ علاقات قوة غير متوازنة. ودعت الهيئة إلى إلغاء أي صلاحيات تأديبية أو إشرافية فعلية لهؤلاء، وزيادة عدد العاملين المدربين وضمان الإشراف المهني المباشر داخل جميع الأجنحة.

وعلى صعيد التعليم والتأهيل، خلصت الزيارة إلى أن البرامج المتاحة محدودة وغير منتظمة ولا تشمل سوى نسبة قليلة من الأحداث. واقتصرت الأنشطة القائمة على مجموعتين لمحو الأمية ومجموعة للنجارة وأخرى للحلاقة، بطاقة تقارب ثمانية أحداث في كل مجموعة، فيما توقفت ورش الكهرباء والكمبيوتر خلال العطلة الصيفية، ولم تُنقل تجهيزات ورشتي الجلد والخراطة من سجن رومية. كذلك بقي المطبخ المجهز للتدريب الفندقي خارج الخدمة بسبب نقص الموارد، وحُرم جناح الأنشطة من المرافق الصحية الأساسية. وأكدت الهيئة أن الحرمان من الحرية لا يجوز أن يتحول إلى انقطاع عن التعليم والتأهيل، داعية إلى برامج مستمرة طوال العام وخطط فردية تراعي سن كل حدث ووضعه القضائي واحتياجاته.

 

وسجل التقرير كذلك ثغرات في انتقال الملفات القضائية وتحديث المعلومات ومتابعة التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ قرارات إخلاء السبيل، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز المساعدة القانونية والفصل بحسب السن والوضع القانوني ودرجة الهشاشة. كما دعا إلى تنظيم الزيارات والاتصالات الأسرية وفق قواعد موحدة تحترم المساواة والخصوصية، وتوفير بدائل هاتفية أو مرئية للأطفال الذين يتعذر على أسرهم الحضور.

 

وحددت الهيئة سلماً زمنياً واضحاً للتدخل: إجراءات فورية خلال 24 ساعة لوقف العزل التأديبي وتأمين سلامة الموجودين في غرف العزل؛ وتحقيق مستقل خلال سبعة أيام في ادعاءات الضرب وسوء المعاملة، مصحوب بفحوص طبية سرية وحفظ الأدلة وضمان عدم الانتقام؛ وخلال 30 يوماً تأمين حضور طبي وتمريضي منتظم وأدوية أساسية ونقل طبي ومعالجة مشكلات المياه والنفايات وتفعيل آلية شكاوى سرية ومستقلة وميسّرة للأطفال؛ ثم خلال 90 يوماً اعتماد خطة للموارد البشرية، وتوسيع التعليم والتدريب، وتشغيل المرافق المعطلة، وإنشاء نظام موحد لمتابعة الملفات القضائية والاتصالات الأسرية.

 

وأكدت الهيئة أن معالجة أوضاع المركز تحتاج إلى خطة حكومية مشتركة تحدد المسؤوليات والموارد والمهل ومؤشرات الإنجاز، وأنها ستتابع التنفيذ من خلال زيارات رقابية معلنة ومفاجئة. كما جددت دعوتها إلى الإسراع في مناقشة وإقرار مشروع القانون الرامي إلى رفع الحد الأدنى لسن المسؤولية الجزائية من سبع إلى أربع عشرة سنة، بما يضمن إحالة الأطفال الأصغر سناً إلى منظومة الحماية والرعاية والتأهيل بدلاً من إخضاعهم لإجراءات جزائية سالبة للحرية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى