
(مقال تأسيسيّ في العلاقات الإيطاليّة – المشرقيّة، من القرن السادس عشر إلى مطلع القرن العشرين)
تمهيد: سؤالٌ فتحته روما
منذ أن قادني العمل إلى روما، وجدتُني أمام سؤالٍ لم يكن يشغلني من قبل: ما طبيعة العلاقة التي تربط إيطاليا بلبنان والمشرق؟ فالمدينة التي عملتُ فيها ليست عاصمةً لدولةٍ حديثة فحسب، بل هي طبقاتٌ من تاريخٍ تتقاطع فيه ضفّتا المتوسّط منذ ألفَي عام ونيّف. ومن رحم هذا السؤال وُلد هذا المقال.
والبحر المتوسّط، الذي نحسبه أحيانًا حدًّا يفصل، كان في حقيقته طريقًا يصل؛ وعبره انتقلت البضائع والكتب والأفكار والألسن، ذهابًا وإيابًا، قرونًا قبل أن ترسم الدول الحديثة حدودها وتوزّع أنسابها الثقافيّة. غير أنّ الصلة بين إيطاليا والمشرق ظلّت في الظلّ، إمّا لأنّها اختُزلت أحيانًا في صورةٍ بطوليّة، وإمّا لأنّها غابت تحت وطأة النفوذ الفرنسيّ ثمّ الأميركيّ الذي تلاها.
جذورٌ أعمق: ملاحظةٌ لا بدّ منها
للعلاقة بين شبه الجزيرة الإيطاليّة والمشرق جذورٌ سابقةٌ بقرون، شديدة التشعّب، تستحقّ دراسةً مستقلّة لا تتّسع لها هذه الورقة. فمن الحروب البونيّة بين روما وقرطاجة (264–146 ق.م) خرجت حملة القائد القرطاجيّ هنيبعل (247–183 ق.م)، الذي عبر بجيشه جبال البيرينيه ثمّ الألب إلى قلب إيطاليا، وأنزل بروما هزائم فاصلة كان أعظمها معركة كانّاي سنة 216 ق.م [1]. ومع ذلك لم يزحف على روما، فاستعادت المدينة أنفاسها وحسمت الحرب في معركة زاما قرب قرطاجة سنة 202 ق.م، ثمّ دمّرت قرطاجة سنة 146 ق.م [2]. ولمفارقةٍ دالّة، ختم هنيبعل حياته في المشرق لاجئًا إلى بلاط الملك السوري السلّوقي أنطيوخوس الثالث محرِّضًا إيّاه على روما، قبل أن يموت منتحراً بالسمّ في بيثينيا (شمال غرب الأناضول – تركيا الحاليّة، على بحر مرمرة) سنة 183 ق.م — فكأنّ خصم روما الأوّل أنهى عمره على أبواب الشرق [1].
ثمّ توجّهت روما شرقًا، كما كان هنيبعل قد حذّر أنطيوخوس من أطماعها، فأخضعت بلاد الإغريق (سقوط كورنثوس 146 ق.م)، وآسيا الصغرى (إرث برغامون 133 ق.م)، وأسقطت الدولة السلوقيّة وأنطاكية على يد بومبيوس سنة 64 ق.م، ثمّ ضمّت مصر سنة 30 ق.م، وحكمت المشرق قرونًا طويلة [3]. وخلال هذه القرون جرى تفاعلٌ عميق بين الثقافة المحلّيّة الآراميّة–السريانيّة والحضارة الرومانيّة: في العمران (معبد بعلبك/هليوبوليس، ومدينة تدمر)، وفي البشر (المهندس الدمشقيّ أبولودوروس، مهندس منتدى تراجان وعموده الشهير) [3]. بل بلغ التداخل أن ارتقى إلى سُدّة كنيسة روما عددٌ من الأساقفة من أصلٍ سوريّ، أبرزهم في أواخر القرن السابع ومطلع الثامن: يوحنّا الخامس، وسيزينيوس، وقنسطنطين، وغريغوريوس الثالث [4]. أمّا سهول البقاع وسوريا فكانت أرضًا زراعيّة خصبة ومستعمراتٍ رومانيّة عامرة؛ غير أنّ أهراء روما الكبرى الموثّقة كانت مصر وشمال إفريقيا لا المشرق [5]. وتجدّد هذا التفاعل لاحقًا في زمن الحروب الصليبيّة (القرنان الحادي عشر والثالث عشر)، حين أقامت الجمهوريّات البحريّة الإيطاليّة — جنوة وبيزا والبندقيّة — أحياءها التجاريّة في موانئ صور وعكّا وطرابلس وبيروت [6].
هذه الحقبة الطويلة إشكاليّةٌ وغنيّة، وهي جديرةٌ بمقالٍ متخصّصٍ قائمٍ بذاته سنكتبه لاحقًا. ولذلك يقتصر هذا المقال على مرحلةٍ أوضح معالمَ وأقرب أثرًا: من القرن السادس عشر إلى مطلع القرن العشرين. وفيها يمكن تمييز أربع قنواتٍ تفاعلت بها إيطاليا مع المشرق: قناةٌ كنسيّة مركزها روما والموارنة، ثمّ حادثة الأمير فخر الدين والمديتشي، فقناةٌ تجاريّة بحريّة، فحضور الدولة الإيطاليّة الموحّدة.
القناة الأولى: روما والكنيسة المارونيّة
كانت أعمق الصلات وأطولها نفَسًا صلةً كنسيّةً فكريّة، طريقها روما. فمنذ مجمع فلورنسا (1439) وبعثة الراهب الفرنسيسكانيّ جبرائيل من فيرونا في القرن الخامس عشر، أخذت العلاقة بين الكنيسة المارونيّة والكرسيّ الرسوليّ تتوثّق، إلى أن بلغت منعطفها الحاسم سنة 1584، حين أسّس البابا غريغوريوس الثالث عشر المدرسة المارونيّة في روما (Collegio dei Maroniti) [7]. وكان أثرها أكبر بما لا يُقاس من حجمها، إذ صارت جسرًا فكريًّا ذا اتّجاهين.
فمنها خرج علماءٌ موارنة حملوا العربيّة والسريانيّة إلى قلب أوروبا، وصاروا من روّاد الاستشراق الأوائل: جبرائيل الصهيونيّ (Gabriel Sionita) وإبراهيم الحاقلانيّ (Abraham Ecchellensis)، اللذان أسهما في «الكتاب المقدّس متعدّد الألسن» الباريسيّ سنة 1645؛ ثمّ آل السمعانيّ، وعلى رأسهم يوسف سمعان السمعانيّ (J. S. Assemani) أمين مكتبة الفاتيكان وصاحب «المكتبة الشرقيّة» التي أرست علم السريانيّات الحديث [7]. وقد درّس هؤلاء لغات الشرق في جامعات روما وباريس، وفهرسوا مخطوطاته في خزائن أوروبا؛ وعادت على أيديهم وأيدي تلامذتهم معارف أوروبا وكتبها وأساليب تعليمها ومطابعها إلى لبنان.
وبلغت هذه القناة ذروتها المؤسّسيّة في المجمع اللبنانيّ المنعقد في دير سيّدة اللويزة سنة 1736. ترأّسه البطريرك يوسف درغم الخازن، وأداره فعليًّا الموفد الباباويّ يوسف السمعانيّ نفسه [7]. ولم يكن مجمعًا لاهوتيًّا فحسب: فقد رتّب الأبرشيّات ورسم حدودها، وضبط سيرة الإكليروس، وأصلح الرهبنة. وأهمّ ما فيه، من زاوية التنمية، بندٌ تربويّ صريح دعا إلى إنشاء مدرسةٍ في كلّ قرية، وإلى تعليم البنات كما البنين. ومن هذا المعين تدفّق جيلٌ من المتعلّمين، تُوّج لاحقًا سنة 1789 بمدرسة عين ورقة التي دُعيت «سوربون الشرق»، ومنها تخرّجت نخبة القرن التاسع عشر الفكريّة [8].
من التمايز إلى الطائفة المكتملة: لم يكن مجمع اللويزة إصلاحًا إداريًّا فحسب؛ فقد طبّق على الموارنة منظومة مجمع تْرِنتو (Trent) الكاثوليكيّة بحذافيرها: اعتماد التعليم المسيحيّ الرومانيّ (Catechismus Romanus)، وإدراج اسم البابا في القدّاس، والمعموديّة بالسكب، والقربان بالفطير على الطريقة اللاتينيّة، وإضافة «الانبثاق من الابن» (Filioque) إلى قانون الإيمان [15][16]. وهذه «اللَّتْيَنة» رسّخت حدودًا فاصلة بين الموارنة وسائر كنائس المشرق. ومن هذه المنظومة التريدنتينيّة جاء مبدأ الفصل عن «المنشقّين» (الأرثوذكس) و«الهراطقة» في العبادة والأسرار (communicatio in sacris). غير أنّ هذا المنع كان القاعدة الكاثوليكيّة العامّة في ذلك العصر، تفرضها روما على الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة كافّة، لا ابتكارًا مارونيًّا خاصًّا [17].
وجاء المجمع تتويجًا لصورةٍ أقدم عن الذات، هي عقيدة «الاستقامة الدائمة» (perpetua orthodoxia) التي صاغها جبرائيل ابن القلاعي (ت 1516) ثمّ البطريرك إسطفان الدويهي (1630–1704): أنّ الموارنة لم يقعوا قطّ في هرطقةٍ أو انشقاق، وأنّهم على الدوام في شركةٍ مع روما [7]. أمّا استعارة «الوردة بين الأشواك»، فهي — خلافًا للشائع — ليست من نصوص المجمع، بل تُنسب إلى البابا لاون العاشر في وصفه الكنيسة المارونيّة نحو سنة 1515، وأصلها كتابيّ [7]. وبتحويله هذه الصورة إلى بنيةٍ مؤسّسيّة — أبرشيّاتٍ محدّدة، وإكليروسٍ مقيم، وتعليمٍ موحّد — نقل المجمعُ ادّعاء التميّز إلى طائفةٍ مكتملة الحدود، وهو ما يسمّيه الباحثون «بلورة الهويّة الطائفيّة» (confessionnalisation) [15] [16].
القناة الثانية: فخر الدين والمديتشي
في مطلع القرن السابع عشر برزت حادثةٌ لافتة في العلاقة بين المشرق وإيطاليا: صلة الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني بأسرة مديتشي حكّام توسكانا. وقد جاء هذا في سياقٍ أوسع: فقد كانت توسكانا في عهد الدوق الأكبر فرديناندو الأوّل دي مديتشي (Ferdinando I de’ Medici) قد تحالفت أوّلًا مع علي جانبولاد (Ali Janbulad)، الوالي المتمرّد على العثمانيّين في حلب (1606–1607)، وكان فخر الدين حليفًا عسكريًّا له في مواجهة آل سيفا في شمال لبنان. فلمّا سحق العثمانيّون قوّات جانبولاد في سهل العمق سنة 1607، تحوّلت أنظار توسكانا إلى فخر الدين، فعقد معها سنة 1608 تحالفه الخاصّ الذي جمع بين مصلحةٍ تجاريّة ومشروعٍ مناوئ للعثمانيّين — مساعدةٍ عسكريّة ودعمٍ من الإكليروس المارونيّ في وجه آل سيفا، لقاء إسناده حملةً توسكانيّة مقبلة على القدس ودمشق [8].
ولم يكن اختيار توسكانا اعتباطًا: فقد جعل المديتشي من مرفأ ليفورنو (Livorno) ميناءً حرًّا مفتوحًا لتجّار الملل كلّها، وأنشأ أسطول فرسان القدّيس إسطفانوس الذي كان يناوش السفن العثمانيّة.
وتشير الوقائع الموثّقة إلى أنّه حين أطبق الحصار العثمانيّ بقيادة حافظ أحمد باشا على صيدا، غادر فخر الدين بحرًا في السادس عشر من أيلول/سبتمبر 1613، وبلغ ليفورنو في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، فأقام في فلورنسا ضيفًا على الدوق الأكبر كوزيمو الثاني (Cosimo II de’ Medici)، ثمّ تنقّل بين صقلّيّة ونابولي تحت الرعاية الإسبانيّة، وعاد فنزل عكّا في التاسع والعشرين من أيلول 1618 [10]. وكانت إيطاليا يومئذٍ فسيفساء من إماراتٍ وجمهوريّات تظلّلها الهيمنة الإسبانيّة، لا دولةً واحدة.
وتُظهر الوثائق أنّ الأمير وسّع في عهده غراس التوت وصناعة الحرير، وربط موانئه بتجّار الإفرنج وقناصلهم، وشيّد سراياه التي ما تزال قائمة في دير القمر [8]. أمّا ما يُنسب إليه أحيانًا من إدخال المطبعة إلى لبنان، فلا تسنده الوثائق المتوفّرة؛ إذ تعود أوّل مطبعةٍ سريانيّة في دير قزحيّا إلى سنة 1610 بمبادرةٍ مارونيّة–رومانيّة سابقةٍ لرحلته، فيما تأخّرت مطبعة عبد الله زاخر العربيّة في الشوير إلى سنة 1734 [7]. وأمّا صورته «أب للبنان الحديث»، فقد تبلورت في مرحلةٍ لاحقة: نمّتها في ثلاثينيّات القرن العشرين كتاباتٌ إيطاليّة رعتها الدولة الفاشيّة (أيّام موسوليني)، كما نمّتها الكتابة القوميّة اللبنانيّة؛ في حين تصوّره سجلّات الأرشيف العثمانيّ أميرًا محلّيًّا بارعًا ضمن نظامٍ إقطاعيّ عثمانيّ [9][13]. وهذه ملاحظاتٌ تُذكر توثيقًا للوقائع، لا حكمًا على الرجل.
ملاحظة: تجدر الإشارة الى أن أسرة جانبولاد الحلبيّة (الكرديّة الأصل) هي — بحسب الرواية النسبيّة الشائعة — الجذر الذي انحدر منه آل جنبلاط الدروز في لبنان لاحقًا، بعد فشل تمرّد علي ولجوء أفرادٍ من الأسرة إلى الجبل. (المصادر: Wikipedia — Ali Janbulad · Wikipedia — Fakhr al-Din II · وكمال الصليبي) [8].
القناة الثالثة: التجارة والموانئ
لم يكن الحرير في زمن الأمير فخر الدين طارئًا، بل حلقةً في سلسلةٍ متوسّطيّة أقدم منه بكثير. فمنذ قرونٍ خلت كانت مدن إيطاليا التجاريّة — البندقيّة وجنوة ثمّ توسكانا — تصل موانئ صيدا وبيروت وعكّا بأسواق أوروبا، تصدّر إليها حرير الجبل وتجلب بضائعها ونقدها [8]. وفي كنف فخر الدين ازدهرت هذه الحركة، فاستقرّ التجّار والقناصل الأوروبيّون في مدنه، وبقي «خان الإفرنج» في صيدا شاهدًا على حضورهم. وهذه القناة التجاريّة، الصامتة غالبًا في كتب التاريخ، هي التي مهّدت — بلغتها ومعاملاتها ووسطائها — لما تلاها من تبادلٍ ثقافيّ وتعليميّ؛ فالتجارة تسبق الأفكار وتحمل معها لسانها. وقد ظلّت الإيطاليّة، ومعها «اللغة الفرنجيّة» المتوسّطيّة (lingua franca)، لسان الموانئ والقناصل والتجارة، بل ولسان قسمٍ من الدبلوماسيّة العثمانيّة، حتى مطلع القرن التاسع عشر [11].
القناة الرابعة: الدولة الإيطاليّة الموحّدة، وانزياح الألسن
مع منتصف القرن التاسع عشر تبدّل المشهد. فامتيازات الدولة العثمانيّة (Capitulations) جعلت فرنسا حاميةً للكاثوليك اللاتين في المشرق، فرجحت كفّة لسانها ومدارسها على ما عداها. وأزاحت الفرنسيّة الإيطاليّة إزاحةً منهجيّة، تحملها الحمايةُ والإرساليّاتُ والمدارس: مدرسة عينطورة – كسروان التي آلت إلى اللعازاريّين سنة 1834، ثمّ جامعة القدّيس يوسف اليسوعيّة (USJ) سنة 1875 [12]. وفي موازاة ذلك دخل الحضور الأميركيّ من بابٍ بروتستانتيّ، فتأسّست الكلّيّة السوريّة الإنجيليّة (Syrian Protestant College) سنة 1866 — وصارت لاحقًا الجامعة الأميركيّة في بيروت — ومعها المطبعة الأميركيّة التي غذّت النهضة وأعلامها من أمثال بطرس البستانيّ وناصيف اليازجيّ [11].
في هذا السياق جاء حضور الدولة الإيطاليّة الموحّدة (منذ 1861) متأخّرًا ومتواضعًا، ومرّ في معظمه عبر مصر لا عبر لبنان؛ حيث تجمّع في الإسكندريّة مهندسون وأطبّاء وطابعون ومنفيّون من رجالات النهضة الإيطاليّة (Risorgimento) [11]. ومع ذلك ظلّ الخيط الإيطاليّ متينًا في مواضع بعينها: في محور روما – الموارنة الذي سبق الفرنسيّين بقرنين؛ وفي الرهبنة الفرنسيسكانيّة (حراسة الأرض المقدّسة)، الإيطاليّة الطاقم والتمويل، صاحبة أطول حضورٍ تعليميّ متّصل في المنطقة؛ وفي الآباء السالزيان (Salesians) الذين أدخلوا التعليم المهنيّ منذ 1891، وإن تركّز ثقلهم في فلسطين ومصر أكثر منه في جبل لبنان [10]. وهكذا، عشيّة الحرب العالمية الأولى، كان اللسان الإيطاليّ قد انحسر إلى هامشٍ تجاريّ وكنسيّ، بينما ساد المشهدَ الثقافيّ نفوذٌ فرنسيّ وأميركيّ.
صورةٌ صاغها مشروعان
على أنّ صورة فخر الدين كمؤسس للدولة اللبنانية، والأثر الإيطاليّ على النهضة العربية، لم تُصَغْ من فراغ؛ فقد تضافر على تضخيمها، في النصف الأوّل من القرن العشرين، مشروعان متباعدا الدافع متقاربا الأثر.
فمن جهةٍ، سعت إيطاليا الفاشيّة في الثلاثينيّات، أيّام موسوليني، إلى موطئ قدمٍ في المشرق ينافس فرنسا، فانتهجت سياسةً مزدوجة تجاه العرب والمسيحيّين — لا سيّما الموارنة — وقدّمت نفسها «حاميةً محتمَلة لمسيحيّي الشرق»، عبر تمويل صحفٍ ونشر اللغة الإيطاليّة وتأسيس مدارس [13]. وفي هذا الإطار تم إحياء حكاية فخر الدين والمديتشي وتضخيمها: إذ قرّرت «الأكاديميّة الإيطاليّة الملكيّة» سنة 1933 رعاية سيرةٍ علميّة للأمير، فصدرت بقلم بولس قرعلي في مجلّدين (1936–1938) بتمويلٍ حكوميّ، وأُفرد مجلّدها العربيّ ليُقرأ في الأوساط المشرقيّة؛ حتى إنّ مؤلّفها أهداها إلى «موسوليني مؤسّس الإمبراطوريّة الإيطاليّة… ومعه مؤسّس الدولة اللبنانيّة فخر الدين الثاني»، مقرِّرًا أنّ «نهضة الشرق الراهنة إنّما تدين بها لإيطاليا» [13] [14]. غير أنّ الأمانة تقتضي القول إنّ ذلك كان دعايةً أكثر منه نفوذًا: فالجالية الإيطاليّة في بيروت لم تتجاوز نحو ألف شخص، وظلّت فرنسا مهيمنةً، فلمّا اشتدّ ردّها تراجعت إيطاليا [13].
ومن جهةٍ مقابلة، كانت سردية القوميّة اللبنانيّة قد رفعت فخر الدين إلى مقام «مؤسّس لبنان الحديث» الذي فتح البلاد على أوروبا؛ من تاريخ طنّوس الشدياق (1859)، إلى كتاب بولس نجيم («جوبلان») «مسألة لبنان» (1908) في أواخر العهد العثمانيّ، وصولًا إلى تيّار «الفينيقيّة» زمن الانتداب («المجلّة الفينيقيّة» 1919، شارل قرم، ميشال شيحا) الذي رأى في لبنان أمّةً متوسّطيّة غربيّة الوجهة، متمايزة عن محيطها العربيّ [18][19]. وقد وجد السرد الإيطاليّ في هذا المناخ أرضًا مؤاتية، فالتقى المشروعان — لدوافع مختلفة — عند تضخيم الأمير والصلة الأوروبيّة.
ثمّ جاء النقد التاريخيّ ليخفض من غلوّ الروايتين: فقراءة الأرشيف العثمانيّ عند عبد الرحيم أبو حسين تردّ فخر الدين إلى أميرٍ ملتزمٍ محلّيّ ضمن النظام العثمانيّ، لا مؤسِّسِ دولة [9]؛ ويحلّل كمال الصليبي في «بيت بمنازل كثيرة» (1988) هذه التواريخ المتنافسة بوصفها بناءاتٍ أيديولوجيّة لا وقائع صافية [8]. فلا تُقرأ أيٌّ من الروايتين دليلًا مباشرًا على الوقائع.
وينبغي، توخّيًا للدقّة، التمييز بين ما هو «كاثوليكيّ رومانيّ» وما هو «إيطاليّ قوميّ»؛ فكثيرٌ ممّا يبدو إيطاليًّا إنّما كان نشاطًا كنسيًّا عابرًا للحدود القوميّة، لا امتدادًا لدولةٍ إيطاليّة بعينها.
خاتمة: مقالٌ للفتح لا للختم
إنّ ما تقدّم ليس تاريخًا مكتمِلًا، بل أرضيّةٌ أوّليّة تُقيّم الوقائع وتشير إلى حيث ينبغي أن يُحفَر ويتعمّق البحث: في محفوظات آل مديتشي بفلورنسا، وأرشيف مجمع نشر الإيمان (Propaganda Fide) وحاضرة الفاتيكان بروما، وسجلّات الفرنسيسكان والسالزيان. ومن هذه الأرضيّة يمكن أن ننهض بدراسةٍ أوسع لأثر إيطاليا في المشرق، وأثر المشرق في إيطاليا، من الحقبة القديمة التي أشرنا إليها إلى مطلع القرن العشرين. وليس هذا المقال إلّا بابها الأوّل.
__________________________________________
المصادر والمراجع
[1] Titus Livius (Livy), Ab Urbe Condita, Books XXI–XXX.
— للحروب البونيّة وحملة هنيبعل ومعركة كانّاي.
[2] Polybius, The Histories.
— المصدر الأقدم للحروب البونيّة، مع الإشارة الى انحيازه للرومان في سردياته.
[3] Fergus Millar, The Roman Near East, 31 BC–AD 337, Harvard University Press, 1993.
— الحكم الرومانيّ والتفاعل الثقافيّ في المشرق.
[4] Andrew J. Ekonomou, Byzantine Rome and the Greek Popes, Lexington Books, 2007.
— الباباوات ذوو الأصل المشرقيّ والسوريّ.
[5] Paul Erdkamp, The Grain Market in the Roman Empire, Cambridge University Press, 2005.
— تموين مدينة روما بالحبوب من مصر وشمال إفريقيا.
[6] Steven Runciman, A History of the Crusades, Cambridge University Press, 1951–1954.
— الجمهوريّات البحريّة الإيطاليّة في موانئ المشرق.
[7] Matti Moosa, The Maronites in History, Syracuse University Press, 1986.
— المدرسة المارونيّة في روما، والمستشرقون الموارنة، ومجمع اللويزة.
[8] Kamal Salibi, The Modern History of Lebanon (1965); A House of Many Mansions (1988).
— فخر الدين، والتجارة، والبنية التاريخيّة.
[9] Abdul-Rahim Abu-Husayn, The View from Istanbul, I.B. Tauris, 2004.
— قراءة الأرشيف العثمانيّ وصورة فخر الدين.
[10] William Harris, Lebanon: A History, 600–2011, Oxford University Press, 2012.
— الإطار التاريخيّ العامّ.
[11] Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age, 1798–1939, Cambridge University Press.
— النهضة والإرساليّات وانزياح اللغة.
[12] Chantal Verdeil, “The Foundation of Saint-Joseph University of Beirut,” Middle Eastern Studies 43:5, 2007.
— المدارس والجامعات الفرنسيّة.
[13] Davide Trentacoste, “Medici Ambitions and Fascist Policies…,” in Rereading Travellers to the East, Firenze University Press, 2022
— التأريخ الفاشيّ لصورة الأمير.
[14] Būlus Qarʿālī (Paul Carali), Fakhr al-Dīn II, Prince du Liban, 1936–1938.
— بولس قرعلي، «فخر الدين الثاني، أمير لبنان»؛ نشر وثائق أرشيف مديتشي، ويُقرأ بتحفّظٍ نقديّ لظروف تأليفه.
[15] Bernard Heyberger, Les chrétiens du Proche-Orient au temps de la Réforme catholique, École française de Rome, 1994
— أطروحة “بلورة الطوائف”
[16] Aurélien Girard, « La construction de l’identité confessionnelle maronite à l’époque ottomane », 2020.
— حول بلورة “هوية” الطائفة المارونية
[17] Joseph Feghali, Le Synode Libanais de 1736 / Histoire du droit de l’Église maronite
— الطبعة المرجعيّة لقوانين المجمع اللبناني 1736.
[18] Asher Kaufman, Reviving Phoenicia: In Search of Identity in Lebanon, I.B. Tauris, 2004.
— الحركة الفينيقيّة وبناء الهويّة اللبنانيّة الغربيّة الوجهة زمن الانتداب.
[19] Būlus Nujaym (« M. Jouplain »), La question du Liban, 1908.
— نصٌّ تأسيسيّ في أواخر العهد العثمانيّ يُمجّد الإمارة ويؤصّل لفكرة «لبنان الكبير».



