الليدي مادونا…حين تكون الإطلالة مملكة والفرح هوية والفن لا يغيب

 

بقلم جورج إلياس معلولي

هناك نساء يمررن في الحياة… وهناك نساء يتركن وراءهن أثرًا لا يشبه أحدًا.

وهناك فنانات يقدّمن أغنيات، وفنانات يصنعن حضورًا، وهناك فنانة مثل الليدي مادونا، استطاعت منذ سنوات طويلة أن تصنع لنفسها عالمًا خاصًا، حتى أصبحت إطلالتها وحدها حدثًا، وابتسامتها عنوانًا، وحضورها مناسبة للفرح.

الليدي مادونا ليست فنانة تحتاج إلى مقدمة طويلة كي نتعرّف إليها. يكفي أن تدخل إلى أي مكان، حتى تعرف أن مادونا حضرت.

إطلالة ملوكية، أناقة لا تشبه سواها، جرأة محسوبة، تفاصيل تعرف كيف تختارها، وحضور لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام.

هي ببساطة… الليدي مادونا.

لكن خلف هذه الصورة الملوكية، خلف الريش والقبعات والمجوهرات والفساتين والاستعراض، هناك وجه آخر لمادونا ربما يكون أجمل بكثير: الإنسانة.

ما غابت لترجع
قد يكون أجمل ما يمكن أن يقال عن مادونا اليوم أنها لم تغب فعلًا.

صحيح أنها ابتعدت لفترات عن إصدار الأعمال الغنائية الجديدة، لكنّها لم تغب عن الحياة، ولا عن الناس، ولا عن المناسبات الاجتماعية والفنية، ولا عن المهرجانات والإيفنتات، ولا عن أصدقائها الذين يحيطون بها بمحبة كبيرة.
كانت دائمًا حاضرة.

تلبي الدعوات، تلتقي الناس، تضحك، تمازح، تلتقط الصور، وتدخل إلى المكان وكأنها تحمل معها جرعة إضافية من الحياة.

ولهذا، عندما نسمع اليوم أنها أطلقت أغنية جديدة بعنوان «لو غنّت»، لا أستطيع أن أقول: «عادت الليدي مادونا إلى الفن».

فهي لم تخرج منه أصلًا.
الليدي مادونا لا تعود إلى الفن… الفن يعود إليها.
خلف البريق… إنسانة عرفت الوجع
ومادونا، التي يراها الناس دائمًا بهذه القوة والجرأة والفرح، عرفت في حياتها أيضًا معنى الضيقة.
مرّت بظروف صعبة، وعاشت حريق منزلها، وخسرت شقيقها، وواجهت مرض والدتها، كما مرّت هي نفسها بتجربة صحية قاسية في أوائل الألفينات، وصفتها لاحقًا بأنها إصابة بـ**«داء خبيث»**.
لكن اللافت في قصتها ليس حجم الضيقة فقط، بل كيف واجهتها.
في حديث لها، روت كيف قصدت مقام السيدة العذراء في ميديغورييه، ونذرت نفسها للعذراء، وقصّت شعرها ومنحته لها، وقالت إن إيمانها كان بالنسبة إليها طريق الخلاص والشفاء.
وهنا أفهم مادونا أكثر.
لأنني أعرفها وأعرف كم يعني لها الإيمان.
قد تراها أمامك في كامل أناقتها، بقبعتها وريشها ومجوهراتها، تضحك وتمازح وتملأ المكان حياة، لكن خلف هذه الصورة امرأة تعرف جيدًا معنى أن تلجأ إلى الله عندما تضيق الحياة.
هي لا تركع للضيقة، بل تركع في الصلاة.
وهذه ربما واحدة من أجمل الصفات التي أراها فيها.
إيمانها ليس مجرد كلمة.
هو ملجأ.
هو علاقة.
هو صلاة.
هو ثقة بأن الرب يسوع لا يترك الإنسان في لحظات ضعفه، وأن أمنا مريم العذراء قريبة من كل قلب يتألم ويلجأ إليها.
ولذلك ليس غريبًا أن يكون للترتيل والمناسبات الدينية مكان خاص في حياة مادونا.
في الميلاد، عندما نسمع صوتها في التراتيل، نشعر أن وراء الفنانة الاستعراضية امرأة أخرى تمامًا؛ امرأة تعرف أن الفرح الحقيقي ليس فقط في الأضواء، وأن أجمل ما يمكن أن يحمله الإنسان في قلبه هو الإيمان.
وفي زمن الآلام، يصبح لصوتها في التراتيل وقع مختلف.
كأن الفنانة التي عاشت كثيرًا من أفراح الحياة وأوجاعها، تعرف كيف تقترب من الألم لا بالخوف منه، بل بالصلاة.
وهذا الجانب الإنساني في مادونا هو الذي يجعلني أقدّرها أكثر.
لأن الإنسان لا يُقاس فقط بعدد النجاحات التي حققها، بل أيضًا بعدد المرات التي سقط فيها ثم وقف.
ومادونا وقفت.
بعد المرض وقفت.
بعد الخيبات وقفت.
بعد الخسارات وقفت.
وبعد الظروف الصعبة بقيت تبتسم.
ولعل أجمل انتصار للإنسان هو أن يمرّ بكل ذلك، ثم لا يفقد قدرته على نشر الفرح.
وهذا تحديدًا ما فعلته الليدي مادونا.
كانت تستطيع أن تجعل من وجعها قصة حزن، لكنها اختارت أن تجعل من حياتها رسالة فرح.
حتى في السنوات الصعبة، بقيت محبة للحياة، وهو ما عبّرت عنه عندما تحدثت عن إيمانها بالله وعن حاجتها إلى استعادة الفرح بعد مراحل المرض والحزن والخيبات.
وربما لهذا السبب، عندما تدخل مادونا إلى أي مناسبة، لا يشعر الناس فقط أنهم أمام نجمة.
يشعرون أنهم أمام امرأة انتصرت على الكثير من الأشياء، وما زالت تختار أن تضحك.
وهذا أجمل بكثير من الشهرة.
«لو غنّت»… فصل جديد من حكاية لا تنتهي
«لو غنّت» ليست مجرد أغنية جديدة في مسيرة فنانة قديمة.
هي مناسبة جميلة لنستعيد وجهًا فنيًا لبنانيًا أحبّه الناس، ونستعيد معه زمنًا كان للاستعراض فيه معنى، وللإطلالة شخصية، وللفنان حضوره الذي لا تصنعه وسائل التواصل الاجتماعي ولا الحملات الإعلانية.
الأغنية تأتي بروح استعراضية تليق بمادونا، وهي من كلمات وألحان مارينا جحا، فيما تولّى المايسترو جورج مرعب التوزيع والتسجيل.
وتطلق الليدي مادونا العمل ضمن Glamour Show 2026 في كازينو لبنان، في حدث يجمع أهل الإعلام والفن والمجتمع، من تنظيم سيدة الأعمال ناتالي فضل الله، صاحبة Nataly’s Agency.
وأعتقد أن المكان يليق بها.
فمادونا حين تطلق عملًا جديدًا، لا تحتاج فقط إلى مسرح… تحتاج إلى مساحة تليق بحضورها.
أرشيف لا يُنسى
حين نتحدث عن الليدي مادونا، لا يجوز أن نختصرها في أغنية جديدة.
هناك أرشيف كامل.
هناك «الليلة حلوة، الليلة عيد»، الأغنية التي أصبحت مرتبطة باسمها وبصورتها كصانعة للفرح، وهناك «ولا يا سيدي» و**«خمسة منك»** وغيرها من الأعمال التي بقيت حاضرة في ذاكرة الناس.
وفي أرشيفها أيضًا محطات مسرحية مهمة، بينها أعمال ارتبطت ببداياتها وبالمسرح الرحباني وزياد الرحباني، في مرحلة كانت فيها مادونا تشق طريقها وسط أسماء فنية كبيرة.
بدأت مبكرًا، وعرفت المسرح والاستعراض قبل أن يصبحا صناعة متكاملة كما نعرفهما اليوم، وتعاونت مع أسماء كبيرة في الفن اللبناني، واستطاعت أن تبني شخصية فنية قائمة بذاتها.
ولعل أجمل ما في تجربتها أنها لم تكن تحاول أن تكون نسخة عن أحد.
مادونا كانت مادونا.
وهذه الجملة، في عالم الفن، ليست تفصيلًا صغيرًا.
إطلالة لا تشبه أحدًا
أحب في الليدي مادونا أنها لا تدخل في منافسة مع أحد.
لأنها ببساطة صنعت ملعبها الخاص.
منذ سنوات طويلة كانت جريئة في أزيائها وتسريحات شعرها وإطلالاتها، حتى ارتبط اسمها بالاستعراض وبالصورة البصرية المختلفة، وبقيت صورتها جزءًا أساسيًا من هويتها الفنية.
لكن بالنسبة إليّ، أجمل ما في إطلالتها ليس الفستان ولا القبعة ولا الريش ولا المجوهرات.
الأجمل هو مادونا نفسها.
لأن كثيرين يستطيعون ارتداء ثوب جميل، لكن ليس كثيرين يستطيعون أن يجعلوا الثوب جزءًا من شخصيتهم.
ومادونا تفعل ذلك.
تدخل، فتبتسم.
تتكلم، فيضحك من حولها.
تجلس، فيصبح للمكان شكل آخر.
وتقف أمام الكاميرا، فتعرف فورًا أنك أمام شخصية فنية لا تحتاج إلى شرح.
امرأة تصنع الفرح
ربما هذه هي الصفة التي أحبها فيها أكثر من أي شيء آخر.
مادونا تصنع الفرح.
حتى عندما تتحدث عن الماضي، تشعر أنها لا تعيش فيه، بل تستدعي منه أجمل ما فيه.
حتى عندما تتقدم بها السنوات، تبقى روحها شابة.
وهذا ما يجعل حضورها محببًا إلى الناس.
وربما لأنني أعرفها عن قرب، أعرف أن خلف هذه الطاقة الكبيرة قلبًا حساسًا، وإنسانة تهتم بمن حولها، وتعرف معنى الصداقة والمحبة والوفاء.
وهذا الوجه الإنساني تحديدًا يجعل نجوميتها أجمل.
فالنجمة الحقيقية ليست التي تلمع فقط أمام الكاميرا، بل التي تبقى مضيئة في حياة الناس من حولها.
وأنا… أكتب عن صديقة أحبها
وقد يقول البعض إنني أكتب عنها بمحبة كبيرة.
نعم.
وأعترف بذلك.
لأنني لا أؤمن بالكتابة التي تخفي المشاعر خلف الكلمات.
أنا أحب الليدي مادونا.
أحب فيها الإنسانة قبل الفنانة، وأحب فيها الصديقة قبل النجمة.
وأحب هذا القلب الذي ما زال قادرًا على الفرح، وعلى محبة الناس، وعلى استقبال الحياة بكل تفاصيلها.
وعندما أراها في مناسبة، لا أرى فقط فنانة لها تاريخ.
أرى امرأة استطاعت أن تبقى نفسها وسط زمن تغيّر فيه كل شيء تقريبًا.
تغيّرت الأغنية.
تغيّر التلفزيون.
تغيّرت الموضة.
تغيّرت صناعة النجوم.
وتغيّر الجمهور.
لكن مادونا بقيت مادونا.
وهذه ربما واحدة من أصعب إنجازات الفنان.
لا أحد يأخذ مكانها
أنا لا أحب المقارنات.
لأن لكل فنان زمنه، ولكل فنانة شخصيتها، ولكل نجمة مساحتها.
لكنني أقولها بكل محبة:
لا أحد يأخذ مكان الليدي مادونا.
ليس لأن غيرها لا يملك الموهبة، بل لأن المكان الذي صنعته لنفسها لا يشبه مكان أي فنانة أخرى.
هي لم تكن مجرد صوت.
كانت صورة.
كانت استعراضًا.
كانت جرأة.
كانت أناقة.
كانت فرحًا.
وكانت شخصية.
وهذه العناصر مجتمعة لا يمكن أن تتكرر بسهولة.
«لو غنّت»… ونحن نعرف ماذا يحدث عندما تغنّي مادونا
اليوم، مع «لو غنّت»، نفتح صفحة جديدة.
ولا نريد أن نسأل: لماذا غابت؟
بل نريد أن نقول:
أهلًا بكِ من جديد إلى الميكروفون، رغم أنك لم تغادري قلوبنا يومًا.
غنّي يا مادونا…
لأنك عندما تغنين، لا نسمع أغنية فقط.
نستعيد زمنًا.
نستعيد صورًا.
نستعيد حفلات.
نستعيد ضحكات.
نستعيد أناقة.
ونستعيد تلك المرأة التي كانت تدخل إلى المكان فتجعله أكثر فرحًا.
ومن القلب أقول لها:
ألف مبروك «لو غنّت».
وألف مبروك للفن اللبناني الذي ما زال يحتفظ بين وجوهه المضيئة باسم لا يمكن أن يمرّ عابرًا.
إلى صديقتي الليدي مادونا…
ابقَي كما أنتِ.
ملوكية في إطلالتك، عفوية في قلبك، جريئة في فنك، ومؤمنة بربك، وفرِحة أينما حللتِ.
لأن بعض الوجوه لا تحتاج إلى أن تعود…
هي ببساطة لا تغيب.
جورج إلياس معلولي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى