
تشهد أذربيجان، الدولة ذات الغالبية المسلمة الشيعية والطابع العلماني، موجة احتجاجات غير معتادة على خلفية تشديد قواعد اللباس في المدارس الرسمية، بعدما تحولت لوائح تهدف، بحسب السلطات، إلى “الحفاظ على الطابع العلماني لنظام التعليم” إلى حظر فعلي لارتداء الحجاب في عدد من المؤسسات، وسط تقارير عن منع طالبات من دخول مدارسهن وفصل معلمات من وظائفهن.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في “القناة 12” الإسرائيلية، اتسعت رقعة الاحتجاج خلال الأيام الأخيرة، ولم تعد تقتصر على الطالبات المتضررات من الإجراءات، بل انضم إليها طلاب وصحافيون ورجال دين وناشطون، فيما سُجلت صباح اليوم اضطرابات في شبكة الإنترنت وتطبيقات مثل “إنستغرام” و”تيك توك”.
وأظهرت مقاطع مصورة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات عربية طالبات محجبات مُنعن من دخول مدارسهن، إلى جانب معلمات وطالبات يبكين أثناء إجبارهن على مغادرة المؤسسات التعليمية، ما أثار ردود فعل غاضبة وأشعل جدلًا عامًا واسعًا.
وتُعد أذربيجان دولة مسلمة شيعية ذات طابع علماني، كما تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.
وبحسب “الجزيرة” ووسيلة الإعلام الإقليمية “OC Media”، لم تعد الحركة الاحتجاجية مقتصرة على الطالبات اللواتي طالتهن التعليمات، إذ قاطع طلاب دروسهم تضامنًا مع زميلاتهم، فيما دخل رجال دين وصحافيون وناشطون على خط النقاش.
وتعود جذور الأزمة إلى سلسلة قرارات اتُخذت خلال الأشهر الأخيرة.
ففي تموز، وقّع الرئيس إلهام علييف تعديلًا يتعلق بنظام التعليم، وفي 21 أيلول أقرت الحكومة تغييرات على قواعد الزي الموحد في المدارس الرسمية.
وتحظر القواعد الجديدة على الطلاب ارتداء ملابس لا تتوافق مع الزي المدرسي الموحد أو مع مبدأ علمانية نظام التعليم.
وفي 6 تشرين الأول، أُقرت لوائح إضافية تشمل المعلمين أيضًا، وتلزمهم بارتداء ملابس تتوافق مع الطابع العلماني للتعليم الرسمي.
ولا تتضمن اللوائح حظرًا صريحًا لارتداء الحجاب، بل تستخدم صياغات عامة مرتبطة بالعلمانية والزي الموحد، ما يترك مجالًا واسعًا للتفسير من جانب إدارات المدارس.
وبحسب التقارير، تُرك قرار تحديد ما إذا كان لباس معين يتوافق مع التعليمات للمجلس التربوي في كل مدرسة.
وبناء على ذلك، بدأت بعض المؤسسات مطالبة الطالبات بإزالة غطاء الرأس كشرط للسماح لهن بالدخول إلى الصفوف.
وانعكست الاحتجاجات مباشرة داخل المدارس، إذ أفادت تقارير محلية بأن طلابًا في عدد من المؤسسات أعلنوا مقاطعة الدروس احتجاجًا على إبعاد زميلاتهم المحجبات.
وجاء ذلك بالتزامن مع انتشار مقاطع مصورة لطالبات يغادرن مدارسهن باكيات.
وكانت شبكة “الجزيرة” القطرية قد نشرت في نهاية أيلول تسجيلًا قالت إنه يظهر طالبات يُمنعن من دخول إحدى المدارس، قبل أن تنشر في 10 تشرين الأول تسجيلًا إضافيًا يوثق احتجاجات ومقاطعة دروس.
ويضمن دستور أذربيجان التعليم الثانوي العام المجاني والإلزامي، لكنه لا يتضمن نصًا صريحًا يمنح الطالبات حق ارتداء الحجاب داخل المدارس.
ويرى معارضو القيود أنه لا يجوز ربط الحق في التعليم بالتخلي عن رمز ديني.
ولم تقتصر الإجراءات على الطالبات، إذ أفادت تقارير بأن معلمات في عدد من المدارس بمدينة سومغايت، وفي المدرسة رقم 90 بمنطقة رامانا في العاصمة باكو، قلن إن الإدارات وضعت أمامهن خيارين: إما خلع الحجاب أو الاستقالة.
وفي إحدى الحالات، وردت تقارير عن فصل معلمة محجبة من المدرسة رقم 90.
وأظهر تسجيل نشرته قناة “Meydan TV” طلابًا وهم يبكون ويحتضنون المعلمة بعد معرفتهم بمغادرتها.
ولم تصدر وزارة العلوم والتعليم في أذربيجان تعليقًا على هذه التقارير.
وامتدت الاحتجاجات إلى خارج المؤسسات التعليمية، بعدما أعلن الصحافي الأذربيجاني المسجون بولاد أصلانوف دخوله في إضراب عن الطعام احتجاجًا على القيود الجديدة.
وأعلن أصلانوف، الذي كان يرأس موقع الأخبار “Xeberman”، خطوته عبر زوجته، وقال إنه يسعى إلى الدفاع عن حق الطالبات المحجبات في التعليم وحق المعلمات في مواصلة عملهن.
كما اعتبر أن القيود مست أيضًا بحق طفله في التعليم، وأنها تتعارض مع دستور البلاد.
وفي موازاة ذلك، حُكم في أيلول على رجل الدين أفغول سليمانوف، الذي انتقد قيود الحجاب في المدارس، بالسجن الإداري لمدة 30 يومًا.
وصباح اليوم، وردت تقارير عن فرض قيود واسعة على الإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول في أذربيجان، ولا سيما في تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل “إنستغرام” و”تيك توك”.
وأثار ذلك تقديرات بأن السلطات ربما تتعمد التشويش على الشبكات للحد من انتشار الاحتجاجات ومقاطع الفيديو المرتبطة بها.
ولم تبقِ الأزمة داخل حدود أذربيجان، بل وصلت أيضًا إلى تركيا، الحليف القريب والمهم لباكو.
وشهدت إسطنبول تظاهرة أمام القنصلية الأذربيجانية، طالب المشاركون فيها بإلغاء القيود والسماح للطالبات والمعلمات المحجبات بمواصلة الدراسة والعمل.
ويحمل الملف حساسية خاصة في تركيا، حيث شكّلت القيود على غطاء الرأس داخل المؤسسات العامة والجامعات لعقود محورًا لصراع سياسي واجتماعي واسع.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد قال في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 أيلول إن حظر غطاء الرأس في المدارس في بعض الدول يمثل انتهاكًا للحقوق الأساسية للنساء، من دون أن يذكر أذربيجان بالاسم، فيما يُرجح أن كلامه كان موجهًا أساسًا إلى دول في أوروبا الغربية.
وبين الاحتجاجات داخل المدارس، وإضراب الصحافيين، وتحرك رجال الدين، والجدل الممتد إلى تركيا، تحولت قضية الحجاب في أذربيجان من خلاف على قواعد اللباس إلى اختبار حساس للعلاقة بين هوية الدولة العلمانية وحقوق التعبير الديني داخل نظامها التعليمي.



