معرض الكتاب يفتح نافذة على التشريع الدستوري ودولة المؤسسات

 

بقلم د. إبراهيم علايلي

بين دقّة النصوص القانونية ومتطلبات بناء الدولة، يبرز الفكر الدستوري بوصفه ركيزة أساسية لحماية الحقوق وتنظيم السلطات وترسيخ سيادة القانون.

لا تقتصر أهمية معارض الكتاب على عرض الإصدارات الجديدة وتبادل المعرفة، بل تمتدّ إلى إتاحة مساحة للحوار في قضايا تمسّ بنية الدولة ومستقبل مؤسساتها. وفي هذا السياق، احتضن معرض بيروت العربي الدولي للكتاب فعالية توقيع كتاب «أصول وضوابط صياغة النص الدستوري» للعقيد الدكتور نور عبد الله شعبان، الصادر عن منشورات الحلبي الحقوقية عام 2026، في عمل قانوني يتناول أصول إعداد النصوص الدستورية وضوابطها وأثرها في انتظام الحياة السياسية والمؤسساتية.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في لبنان، حيث يشكّل الدستور المرجعية الناظمة للعلاقات بين السلطات، والأساس الذي تُحدَّد في ضوئه الصلاحيات والمسؤوليات، إلى جانب ضمان الحقوق والحريات العامة. فسلامة النص الدستوري لا ترتبط بمتانة لغته القانونية فحسب، بل بقدرته على توضيح الأحكام، والحدّ من الالتباس في تفسيرها، وتوفير قواعد واضحة لتطبيقها.

ويبحث الكتاب في أبعاد متعددة للصياغة الدستورية، من تطوّر الأنظمة السياسية وعلاقة السلطات بعضها ببعض، إلى الضمانات المرتبطة بالحقوق والحريات، وآليات الرقابة على دستورية القوانين، ودور التفسير في معالجة الغموض والتناقض والنقص في النصوص. كما يتناول أثر الصياغة في الممارسات الدستورية خلال الظروف العادية والاستثنائية، بما يجعل موضوعه متصلاً بالتحديات العملية التي تواجه المؤسسات، لا بالإطار النظري وحده.

وفي موازاة هذا البعد القانوني، حضرت في النقاشات المرتبطة بالفعالية أسئلة أوسع حول مسؤولية المؤسسات العامة، وأهمية التشريع الواضح، وضرورة تعزيز ثقافة المساءلة والشفافية. وفي هذا الإطار، برزت مداخلات النائب وضاح الصادق، والمحامي نبيل الحلبي، ورئيس تحرير موقع «لبنان الكبير» محمد نمر، في سياق النقاش بشأن دور القانون والمؤسسات في مواجهة التحديات الوطنية.

ولا تنفصل هذه المسائل عن الواقع اللبناني، حيث تتطلب استعادة الثقة بالمؤسسات قواعد قانونية واضحة، وتطبيقاً متساوياً للقانون، واحتراماً للصلاحيات الدستورية. فالنصوص، مهما بلغت دقتها، لا تحقق غاياتها ما لم تقترن بممارسة مؤسساتية مسؤولة، وبالتزام فعلي بمبادئ العدالة والمساءلة.

إنّ قيمة العمل الدستوري تكمن في تحويل المبادئ القانونية إلى ضمانات ملموسة، تمنع التعسّف في استعمال السلطة، وتحمي الحقوق، وتحدّد المسؤوليات. ومن هنا، لا تبدو الصياغة الدستورية تفصيلاً تقنياً محصوراً برجال القانون، بل مسألة ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة وعلاقتها بمواطنيها.

وفي المحصلة، يذكّر هذا الحضور للفكر القانوني في معرض الكتاب بأن بناء دولة المؤسسات يبدأ من وضوح القواعد، لكنه لا يكتمل إلا باحترامها وتطبيقها. فالدستور ليس مجرد وثيقة تنظّم الحكم، بل مرجعية تُقاس بمدى قدرتها على حماية المواطن، وضبط السلطة، وترسيخ العدالة وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى