الحقوق لا تُنتزع بالاعتداء على حقوق الآخرين والغضب لا يمنح أحداً الحق في إحراق تعب الناس ونهب أرزاقها! بقلم عبير بركات

 

ما قيمة الحقوق إذا كان ثمن المطالبة بها أن يخسر إنسان بريء متجره، وأن تحترق أحلام عائلة، وأن يدفع الأبرياء فاتورة صراعات لم يختاروها؟

هناك مشاهد لا يمكن أن تمرّ أمام أعيننا من دون أن تترك في داخلنا غصّة، لا لأننا نريد الدخول في دهاليز السياسة، ولا لأننا نبحث عمّن يمول ومن يقف وراء ما يحدث، ومن المسؤول عمّا آلت إليه الأمور، بل لأن هناك حدوداً إنسانية وأخلاقية لا يجوز تجاوزها، مهما كانت المطالب ومهما بلغت حدة الغضب.

لن أدخل في تفاصيل السياسة، ولا في المصالح والأطماع التي تحرّك الدول والسياسيين، فهذه عوالم معقّدة، تختلط فيها الحسابات بالمصالح، وغالباً ما يدفع ثمنها أناس لا علاقة لهم بكل ما يحدث.

لكنني، كمتفرجة تتابع مشاهد المظاهرات التي تحوّلت في عدد من المدن الفرنسية إلى أعمال عنف وتخريب، أتساءل: ماذا يشعر الإنسان عندما يرى تعب سنوات من العمل يحترق أمام عينيه؟

ماذا يشعر صاحب متجر صغير حين يرى مصدر رزقه يُنهب ويُدمّر، وهو الذي ربما أفنى عمره في بنائه، وقد يكون كل ما يملكه في هذه الحياة؟

هنا، بالنسبة إليّ، تتوقف كل التبريرات. يمكن أن نتفهم غضب الناس، وأن نؤمن بحقهم في التعبير عن مطالبهم والاحتجاج على سياسات لا ترضيهم، لكن كيف يمكن الدفاع عن متظاهر يعتدي على ممتلكات الآخرين، ويحرق مباني عامة، وينهب محلات تجارية؟ ما ذنب صاحب المتجر في خلافات سياسية أو قرارات حكومية لم يتخذها؟ ولماذا يصبح إنسان بسيط، يسعى إلى تأمين لقمة عيشه وعائلته، ضحية غضب لا علاقة له بأسبابه؟

أما مشاهد سرقة محلات الماركات العالمية، فلديّ أمامها سؤال آخر: ما علاقة هذه المحلات بالمطالب التي يرفعها المتظاهرون؟ ولماذا تتحول العلامات التجارية العالمية إلى هدف للنهب وكأن سرقتها شكل من أشكال العدالة الاجتماعية؟

منذ زمن بعيد، هناك أشخاص يحبون الماركات العالمية، ويفضلون شراء منتجاتها، وهذا حقهم ما داموا يشترون بأموالهم ولا يعتدون على أحد. قد نتفق مع هذا الخيار أو نختلف معه، وقد نرى أن هناك أولويات أهم في الحياة، لكننا لا نملك الحق في أن نفرض على الآخرين كيف ينفقون أموالهم. الحرية لا تعني أن نقرر عن الناس ما يجب أن يحبوه أو يشترونه، ولا أن نعاقب أصحاب المتاجر والعاملين فيها لأننا نختلف مع نمط استهلاك معين.

والأكثر إيلاماً بالنسبة إليّ أن فرنسا، التي احتضنت على مدى سنوات طويلة أشخاصاً من جنسيات مختلفة، فرّوا من الحروب والأزمات بحثاً عن الأمان وبداية جديدة، هي أيضاً بلد ارتبط بمستقبل عائلات كثيرة في منطقتنا، ولا سيما في لبنان.

بالنسبة إلى عائلات لبنانية كثيرة، لم تكن فرنسا مجرد بلد أوروبي، بل كانت مساحة أمان وفرصة لبناء مستقبل أفضل. أرسلنا أبناءنا إليها ليتعلموا، ويحصلوا على فرص لم تعد أوطانهم قادرة دائماً على توفيرها، وليعيشوا بعيداً عن مخاوف تراجع الأمن، والسلاح المتفلت، والتجاذبات السياسية والطائفية التي أثقلت حياة اللبنانيين لسنوات طويلة.

نحن لا نرسل أبناءنا إلى الخارج لأننا لا نحب وطننا، بل لأننا نحلم لهم بحياة أكثر استقراراً، وبمستقبل لا يضطرون فيه إلى الخوف على سلامتهم أو القلق على أبسط حقوقهم.

ولعلّ أكثر ما يثير في داخلي شعوراً متناقضاً هو أنني، كلبنانية، أحسد الشعب الفرنسي على أمر أعتبره أساسياً في أي دولة تحترم مواطنيها: أن يكون للناس الحق في التظاهر، ورفع الصوت، والمطالبة بحقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن قراراتهم. أحسدهم على وجود مساحة يستطيعون فيها التعبير عن غضبهم، حتى عندما نختلف مع مطالبهم أو مع الجهة التي يوجّهون إليها احتجاجاتهم.

أحسدهم لأنني أعرف معنى أن يعيش الإنسان في بلد لا يشعر فيه بأن دولته قادرة على حمايته، ولا تضمن له الحد الأدنى من حقوقه واحتياجاته. أعرف معنى أن يبحث المواطن عن الأمان خارج وطنه، وأن يصبح إرسال الأبناء إلى بلد آخر وسيلة لحمايتهم من واقع لا يستطيع الأهل تغييره.

لكن، في الوقت نفسه، لا أستطيع تقبّل المشاهد التي رأيناها في فرنسا. فحرية التظاهر مكسب ديمقراطي ثمين، لكنها لا تعني الفوضى، والمطالبة بالحقوق لا تبرر سلب حقوق الآخرين. هناك فرق كبير بين أن ترفع صوتك في وجه الظلم، وأن تتحول أنت إلى مصدر ظلم لإنسان لا ذنب له.

الدولة التي تسمح لمواطنيها بالتظاهر تمنحهم حقاً مهماً، لكن الحفاظ على هذا الحق يتطلب أيضاً احترام القانون، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وصون كرامة الناس وأمنهم. فلا يمكن أن نطالب بالعدالة ونحن نمارس الظلم بحق الآخرين، ولا أن نرفع شعار الحرية فيما نحرم إنساناً من مصدر رزقه.

في النهاية، لا أريد أن أحاكم المتظاهرين جميعاً، ولا أن أختزل مطالبهم في أعمال العنف التي ارتكبها بعضهم. لكنني أرفض، بكل وضوح، أن تتحول المطالب المشروعة إلى مبرر للتخريب والنهب.

قد أحسد الفرنسيين على حرية التظاهر، لكنني لا أحسد أحداً على مشاهد الفوضى التي رأيناها. وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه كل مواطن أن يطالب بحقوقه في وطنه، من دون خوف، ومن دون أن يضطر إلى تدمير حقوق إنسان آخر كي يُسمع صوته.

لأن العدالة الحقيقية لا تبدأ عندما ننتزع حقوقنا من الآخرين، بل عندما نتعلم كيف نطالب بحقوقنا من دون أن نسلبهم حقوقهم.

بقلم الإعلامية عبير عبيد بركات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى