
*أصدر منسق عام جبهة العمل الإسلامي في لبنان، سماحة الشيخ الدكتور زهير عثمان الجعيد، بيانًا أشاد فيه بنداء شيخ الأزهر الشريف، فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب، الداعي إلى وقف الحروب والاقتتال وتشكيل لجنة عربية وإسلامية للوساطة والتهدئة، هذا نصه:*
إنَّنا نُعرب عن بالغ التقدير والإشادة والتأييد للنداء الأخوي المسؤول الذي أطلقه فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، من قلب الأزهر ومن أرض الكنانة، داعيًا الأشقاء في الدول العربية والإسلامية إلى تغليب لغة العقل والحكمة والحوار، والوقف الفوري والشامل لأعمال الحرب والقتال والتدمير، والعمل على تشكيل لجنة وساطة وتهدئة تضم الحكماء والعقلاء والمخلصين، لوأد الفتن وإطفاء نيران الصراعات التي تستنزف مقدرات أمتنا وتُزهق أرواح أبنائها.
وإننا، إذ نؤيد هذا النداء المبارك، نرى فيه موقفًا شرعيًّا وأخلاقيًّا وقوميًّا مسؤولًا، يعبّر عن أصالة رسالة الأزهر الشريف ومكانته الجامعة في وجدان الأمة، وعن الدور التاريخي الذي اضطلع به على امتداد القرون في نشر الاعتدال، وتعزيز وحدة المسلمين، والدعوة إلى الإصلاح، وجمع الكلمة، وإعلاء شأن الحوار والتفاهم بين أبناء الأمة الواحدة.
إنَّ الأزهر الشريف ليس مجرد مؤسسة علمية ودينية عريقة، بل هو رمز من رموز وحدة الأمة ومرجعية علمية وروحية كبرى، تلتقي عندها القلوب والعقول، وتستمد منها الأجيال معاني الوسطية والاعتدال والمسؤولية. ومن هنا، فإنَّ نداء شيخ الأزهر يستحق أن يُصغى إليه بعناية، وأن يُقابل بالجدية والمسؤولية، وأن تلتف حوله المرجعيات الدينية والقيادات السياسية والشخصيات الوطنية والقوى الحريصة على حاضر الأمة ومستقبلها.
إنَّ منطقتنا تمر بمرحلة بالغة الخطورة، تتشابك فيها الأزمات والحروب، وتتصاعد فيها حملات التحريض والانقسام، وتُستنزف فيها الطاقات والثروات، فيما يسقط الأبرياء وتُدمَّر البيوت والمقدرات، وتدفع الشعوب أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها. والأشد خطورة أن تتحول الخلافات بين أبناء الأمة الواحدة إلى صراعات مفتوحة، يستفيد منها أعداؤنا، وتُستثمر لإضعاف دولنا وتفتيت مجتمعاتنا وإبقاء منطقتنا أسيرة الحروب والفتن.
ومن هنا، فإننا نؤكد أنَّ صيانة وحدة الأمة لا تكون بالشعارات وحدها، بل بمواقف عملية شجاعة، تبدأ بوقف القتال والاعتداءات، وحقن الدماء، ورفض التحريض والتكفير والتخوين، والانتقال إلى حوار جاد ومسؤول يعالج أسباب الخلافات، ويحفظ سيادة الدول وكرامة الشعوب وحقوقها، ويصون المصالح العليا لأمتنا العربية والإسلامية.
ونرى في مبادرة تشكيل لجنة عربية وإسلامية للوساطة والتهدئة خطوة ضرورية على طريق الخروج من دوامة التصعيد، شريطة أن تحظى بإرادة سياسية صادقة، وأن تضم شخصيات تحظى بالثقة والقبول، وأن تعمل باستقلالية ومسؤولية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمحاور المتصارعة، واضعةً نصب أعينها حرمة الدماء، ووحدة الأمة، وحماية شعوبها من المزيد من الويلات.
وإننا نناشد قادة الدول العربية والإسلامية، وعلماء الأمة ومراجعها الدينية، وكل القوى السياسية والوطنية، الاستجابة لهذا النداء، والالتفاف حوله، وتحويله إلى مبادرة عملية عاجلة؛ لأننا نؤمن بأنَّ ما يجمعنا من دين وتاريخ ولغة ومصير مشترك أكبر بكثير مما يفرقنا، وأن خلافاتنا، مهما تعاظمت، لا يجوز أن تتحول إلى حروب تستنزف حاضرنا وتبدد مستقبلنا.
كما نؤكد أنَّ الوحدة التي ندعو إليها لا تعني التنازل عن الحقوق أو التفريط بالثوابت أو السكوت عن العدوان، وإنما تعني إدارة الخلاف بالحكمة، وصون دماء المسلمين والعرب، وتوحيد الجهود في مواجهة الأخطار الحقيقية، وفي مقدمتها الاحتلال والعدوان ومشاريع الهيمنة والتفتيت، وفي القلب منها القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتحرير أرضه ومقدساته.
إنَّ نداء شيخ الأزهر يرسم خريطة طريق واضحة للخروج من الأزمات والفتن: وقف الحروب، وإعلاء صوت الحكمة، وفتح أبواب الحوار، وتفعيل الوساطات الصادقة، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. وهي مسؤولية لا تقع على طرف دون آخر، بل هي أمانة في أعناق الجميع، أمام الله والتاريخ وشعوبنا والأجيال القادمة.
ومن لبنان الجريح، الذي دفع ولا يزال يدفع أثمانًا باهظة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، نؤكد أنَّ الدعوة إلى وقف الحروب وصون دماء الأبرياء ليست موقفًا نظريًّا بالنسبة إلينا، بل هي صرخة تنطلق من قلب المعاناة اللبنانية، حيث سقط الشهداء، وجُرح الأبرياء، ودُمِّرت البيوت، وقُرًى بأكملها طالها القصف والتجريف والتهجير، وتعرّض المواطنون الآمنون لشتى صنوف الألم والخسارة. لقد دفع لبنان من دماء أبنائه وأمنه واستقراره وعمرانه أثمانًا جسيمة، وهو الذي وقف إلى جانب غزة وأهلها ورفض التخلي عن فلسطين وقضيتها العادلة. وإننا إذ نتمسك بحق لبنان في الدفاع عن أرضه وسيادته وكرامة شعبه، نؤكد أنَّ وقف العدوان، ومحاسبة المعتدين، وحماية المدنيين، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، واجبات لا يجوز التهاون فيها. ومن هنا، نضم صوتنا إلى نداء شيخ الأزهر الشريف، داعين إلى تحرك عربي وإسلامي مسؤول لا يكتفي بالدعوة إلى التهدئة، بل يعمل على وقف الاعتداءات فعليًّا، وصون سيادة لبنان وسائر دول المنطقة، ومنع تحويل شعوبنا وأوطاننا إلى ساحات مفتوحة للحروب وتصفية الحسابات.
نسأل الله تعالى أن يحفظ أمتنا العربية والإسلامية، وأن يؤلف بين قلوب أبنائها، ويطفئ نيران الفتن والحروب، ويهدي قادتها إلى ما فيه خير شعوبها، وأن يجعل من هذا النداء بدايةً لمرحلة جديدة من التفاهم والتعاون والتضامن، بدلًا من التناحر والاقتتال والتشرذم.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
والله ولي التوفيق.



