أزمة تضرب نتفليكس… خسارة 300 مليار دولار وغياب الأعمال الناجحة يهزّ إمبراطورية البث!

تواجه شركة “نتفليكس” واحدة من أصعب المراحل في تاريخها، بعدما خسرت نحو 300 مليار دولار من قيمتها السوقية مقارنة بذروتها في عام 2025، وسط تراجع تفاعل المشاهدين مع محتواها، وتباطؤ نمو إيراداتها، رغم إنفاق نحو 20 مليار دولار سنوياً على إنتاج البرامج والمسلسلات والأفلام.

وبحسب تقرير للصحافيين آنا نيكولاو وإريك بلات في صحيفة “فايننشال تايمز”، بدأت مؤشرات الأزمة تظهر خلال اجتماع سنوي لكبار مسؤولي الشركة في الربيع الماضي، عندما كشفت البيانات الداخلية تراجع مؤشر أساسي يقيس عدد الأيام التي يدخل فيها المشتركون إلى المنصة لمشاهدة المحتوى، المعروف باسم “QPD”. وأثار هذا التراجع مخاوف داخل الإدارة من أن إنتاجات نتفليكس لم تعد قادرة على الاحتفاظ باهتمام الجمهور.

وتحوّلت هذه المخاوف إلى إجراءات غير مسبوقة، بعدما أشرف الرئيس التنفيذي المشارك تيد ساراندوس، الأسبوع الماضي، على إقالة نحو 1000 موظف، أي ما يعادل 6% من القوى العاملة، بينهم مسؤولون كبار عن إنتاج الأفلام والمسلسلات.

وشملت الإقالات رئيسة المحتوى بيلا باجاريا، التي لعبت دوراً محورياً في توسيع انتشار المنصة عالمياً، ورئيس قسم الأفلام دان لين، في خطوة عكست حجم الاضطرابات داخل الشركة، المعروفة بثقافتها الإدارية الصارمة التي تشجّع على الاستغناء عن الموظفين الذين لا تعتبرهم الإدارة أساسيين.

غير أن هذه القرارات أثارت تساؤلات حول مسؤولية ساراندوس نفسه، باعتباره مهندس استراتيجية المحتوى التي نفّذتها باجاريا، والقائمة على توسيع قاعدة الجمهور والتركيز على الأسواق الدولية بعد وصول السوق الأميركية إلى مستويات مرتفعة من التشبّع.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول مخضرم في هوليوود قوله إن ساراندوس “لن يعترف أبداً بأن الخطأ خطؤه، ولذلك سيتحمّل الآخرون المسؤولية”.

في المقابل، أكّد مصدر مقرّب من الشركة أن ساراندوس يتخذ قرارات قيادية حاسمة لتحسين الإنتاجات الموجّهة إلى السوق الأميركية وتهيئة نتفليكس للمرحلة المقبلة من النمو.

وتكشف الأرقام حجم التحدّي، إذ لم يرتفع إجمالي الوقت الذي يقضيه المستخدمون في مشاهدة محتوى نتفليكس سوى بنسبة 2% خلال النصف الأول من عام 2026، رغم الاستثمارات الضخمة في الإنتاج.

ووفق بيانات شركة التحليلات “أنتينا”، لم تتمكن نتفليكس من تحقيق زيادة صافية في عدد مشتركيها الأميركيين خلال أي شهر من الأشهر الـ9 الأولى من العام. لكن الشركة اعترضت على هذه النتائج، معتبرة أن المنهجية المستخدمة لا تعكس أداء أعمالها بصورة دقيقة.

وتزامنت الأزمة مع هبوط سهم الشركة بنحو 6% عقب إعلان نتائجها المالية الثلاثاء، في وقت تراجع فيه السهم بأكثر من النصف مقارنة بأعلى مستوياته في 2025.

كما زادت الضغوط على الشركة بعد فشل محاولتها الاستحواذ على “وارنر براذرز ديسكفري”، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرتها على المحافظة على زخم النمو بالاعتماد على إنتاجاتها الخاصة.

ورغم الاضطرابات، رفض ساراندوس الاعتراف بوجود خلل جوهري في استراتيجية الشركة، مؤكداً للمحللين أن نموذج أعمال نتفليكس لا يزال يعمل، وأن المشكلة تكمن في ضعف التنفيذ داخل الولايات المتحدة، حيث لا يتحقق النمو بالسرعة المطلوبة.

لكن المستثمرين يبدون أقل اطمئناناً، خصوصاً بعدما حذّرت الشركة من استمرار تباطؤ نمو المبيعات إلى مستويات لم تُسجّل منذ عام 2023.

ويبلغ معدل نمو الإيرادات حالياً 11.8%، فيما يرى المحلل ريتش غرينفيلد من شركة “لايتشيد بارتنرز” أن عودة النمو إلى مستويات تقارب 15% في عام 2027 ستعني أن الأزمة تتعلق بصورة الشركة لدى المستثمرين أكثر من كونها أزمة فعلية في نموذج أعمالها. أما تراجع النمو إلى 10% أو أقل، فسيشير إلى مشكلة جدية.

وتواجه نتفليكس أيضاً تحدياً إبداعياً، بعدما اتجهت خلال السنوات الماضية إلى توسيع إنتاج البرامج الواقعية والترفيه المباشر والرياضة، من خلال اتفاقيات مع دوري كرة القدم الأميركية “NFL”، واتحاد المصارعة “WWE”، والاتحاد الدولي لكرة القدم “FIFA”.

وبحسب موظفين سابقين، أدّى التركيز المتزايد على النجاح التجاري واستقطاب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور إلى تراجع الاهتمام بالأعمال التجريبية والطموحة، في وقت واجه فيه المسؤولون عن الإنتاج ضغوطاً لتقديم نجاحات أكبر بميزانيات أكثر تشدداً.

واعتبر أحد الموظفين الذين شملتهم الإقالات أن محاولة مخاطبة جميع الفئات تؤدي أحياناً إلى خسارة الجمهور المستهدف، مشيراً إلى افتقار نتفليكس إلى عمل يوازي النجاح الذي حققه مسلسل “The White Lotus” على شبكة “HBO”.

وفي محاولة لتغيير المسار، استعانت الشركة ببيتر رايس، المسؤول السابق في “ديزني” و”فوكس”، لقيادة قطاع المحتوى، مستفيدة من علاقاته الواسعة مع صنّاع الأعمال في هوليوود.

وأقرّ ساراندوس بأن تحسين العلاقات مع المواهب الفنية سيكون من أبرز أولويات الإدارة الجديدة، بالتوازي مع إعادة النظر في سياسة عرض الأفلام، إذ تستعد نتفليكس لطرح فيلم “Narnia” للمخرجة غريتا غيرويغ في دور السينما خلال العام المقبل، في مؤشر إلى تطوّر استراتيجيتها السينمائية.

ومع ذلك، لا تزال نتفليكس أكبر منصة بث مدفوعة في العالم، بعدما بلغ عدد مشتركيها 325 مليوناً في نهاية 2025، كما تتمتع بأدنى معدل لإلغاء الاشتراكات في القطاع، وفق بيانات “أنتينا”.

وحققت الشركة خلال العام الماضي إيرادات بلغت 45 مليار دولار، وأرباحاً صافية وصلت إلى 11 مليار دولار، ما يؤكد أن الأزمة لا تتعلق بانهيار نموذجها المالي، بل بقدرتها على مواصلة النمو وإنتاج أعمال تحقق نجاحات جماهيرية كبيرة.

وتراهن الإدارة حالياً على مجموعة من الإنتاجات الجديدة، بينها الفيلم الإسباني “La Bola Negra”، الذي بدأ يثير اهتماماً باعتباره مرشحاً محتملاً لجوائز الأوسكار، إلى جانب مواسم جديدة من مسلسلي “The Diplomat” و”Wednesday”.

ويرى غرينفيلد أن طبيعة صناعة الترفيه تجعل التوقعات غير مضمونة، مستشهداً بالنجاح المفاجئ لمسلسل “Squid Game”، ومعتبراً أن بضعة أعمال ناجحة قد تكون كافية لتغيير نظرة المستثمرين إلى مستقبل الشركة، حتى لو كانت هذه الأعمال قد أُنتجت بإشراف المسؤولين الذين أُقيلوا أخيراً.

وتختصر شهادة أحد الموظفين السابقين جوهر المشكلة، إذ قال إنه، حتى بوصفه مشتركاً عادياً في نتفليكس، لم يعد يجد المحتوى الذي يرغب في مشاهدته.

وهكذا، تجد نتفليكس نفسها أمام مفارقة لافتة: شركة تضم مئات ملايين المشتركين، وتنفق مليارات الدولارات على الإنتاج، لكنها تواجه اليوم تحدياً أساسياً يتمثّل في العثور على أعمال ناجحة تعيد جذب المشاهدين وتمنح المستثمرين الثقة بقدرتها على مواصلة النمو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى