
ميلاد سبعلي
بعد نحو ثلاثة عقود على آخر مناهج أقرّها لبنان، وضع المركز التربوي للبحوث والإنماء بين أيدي الأسرة التربويّة وثيقةً من 553 صفحة عنوانها «مصفوفة المدى والتتابع للكفايات ونواتج التعلّم في المنهاج الوطني اللبناني الجديد». وهي الوثيقة التي جعلها مرسوم المناهج رقم 3445، الصادر في 15 تمّوز 2026، دليلَ العمل في تأليف الكتب المدرسيّة، وتدريب المعلّمين، وتخصيص الموارد، وتقويم أداء المتعلّمين.
لا يسع المرء أمام هذا الجهد إلّا أن يقدّر حجم العمل الذي بذلته مئات الكفاءات من الجامعات والمدارس والوزارة والمجتمع المدني، في ظروف وطنيّة لا تحتاج إلى وصف. لكنّ التقدير لا يُغني عن القراءة النقديّة، بل يستدعيها. فالمنهاج الذي يُراد له أن يرسم ملامح جيل كامل يستحقّ أن يُقرأ بعين المربّي، وبعين المقارِن بالتجارب الدوليّة، وبعين مَن يعرف ما يجري فعلًا داخل الصفوف.
والسؤال الذي يحكم هذه القراءة بسيط في صياغته، عميق في دلالاته: هل نحن أمام تصميم جيّد؟ وإذا كان كذلك، فما الذي يضمن ألّا يضيع هذا التصميم في المسافة الفاصلة بين الوثيقة والصفّ؟
ما الذي تقدّمه المصفوفة؟
تنقل المصفوفة التعليم اللبنانيّ من منطق «ما يُدرَّس» إلى منطق «ما يكتسبه المتعلّم ويستطيع توظيفه»، أي من المقاربة بالأهداف إلى المقاربة بالكفايات (Competency-Based Curriculum). وهي تفعل ذلك عبر بنية واضحة من ثلاثة مستويات في كلّ مادّة: كفاية خاصّة تصف القدرة المندمجة، ثمّ نواتج تعلّم أساسيّة، ثمّ نواتج فرعيّة تحمل التدرّج من حلقة إلى أخرى.
وبالأرقام، تغطّي المصفوفة خمسةً وعشرين مسارًا معرفيًّا، في ثماني حلقات تمتدّ من الروضة الأولى إلى الثاني عشر، بما يقارب 1041 ناتجًا أساسيًّا وأكثر من 3400 ناتج فرعي. وتُختم كلّ حلقة بتسع كفايات مستعرضة (Transversal Competencies): التفكير النقدي، والإبداع، والتواصل، والتعاون، وإدارة الذات، والكفاية الرقميّة بما فيها الذكاء الاصطناعي، والأخلاقيّة، والصحّة والرفاه، والمواطنيّة.
وفي الثانوي، تُوزَّع النواتج على ستّة فروع، من العلوم العامّة والتكنولوجيّة إلى الآداب والإنسانيّات والفنون. أمّا اللغات فتقوم على نموذج ثلاثيّ: العربيّة، مع الفرنسيّة أو الإنكليزيّة لغةً للتعليم، والأخرى لغةً أجنبيّة ابتداءً من الصفّ الرابع.
والأهمّ من ذلك كلّه أنّ المرسوم نصّ على فترة تجريبيّة، وعلى مراجعة جزئيّة سنويّة، وعلى تقرير شامل كلّ خمس سنوات بمشاركة مراجعين خارجيّين. نحن إذًا أمام منهاج رشيق يعترف منذ ولادته بأنّه مسار مفتوح للتحسين، لا نصّ مغلق ينتظر عقودًا أخرى ليُستبدَل.
نقاط القوّة: رؤية تضاهي أفضل التجارب
أوّل ما يلفت النظر هو التماسك العموديّ. فالكفايات نفسها تمتدّ من الروضة إلى الثانوي، ويستطيع المعلّم أن يرى كيف تنمو المهارة الواحدة عبر السنين. وهذا بالضبط ما تعنيه فكرة «المدى والتتابع» (Scope & Sequence) في الأدبيّات التربويّة الحديثة.
وثانيها الانحياز الواضح للاستقصاء والتفكير. فالنمذجة، والبرهان، والتجربة المضبوطة، وتحليل البيانات وهامش الخطأ، كلّها حاضرة بشكل صريح، بمستوى يوازي الممارسات الرياضيّة في المعايير الأميركيّة (Common Core) وممارسات العلوم في معايير NGSS. ويُدرَّس التمييز بين الحقيقة والرأي، وكشف التضليل والانحياز، منذ الصفّ الثاني، أي أبكر ممّا تفعله معظم الأطر الدوليّة.
وثالثها ما سأسمّيه بناء الإنسان قبل بناء العلامة. فالمواطنيّة ميدان قائم بذاته في كلّ حلقة، تُمارَس عبر وضع قواعد الصفّ، وانتخابات مجالس الطلّاب، وحملات المناصرة، والمشاريع التطوّعيّة. ويرافقها مسار متكامل للتعلّم الاجتماعي الانفعالي-العاطفي (SEL)، ومهارات الدراسة، والإسعافات الأوّليّة، والتوجيه المهني.
ورابعها الانخراط المبكر في عصر الذكاء الاصطناعي. فثقافة الذكاء الاصطناعي (AI Literacy) تبدأ في الصفوف الأولى وتبلغ تعلّم الآلة في الثانوي، مع حضور دائم لأخلاقيّات الخصوصيّة والانحياز والملكيّة الفكريّة.
وخامسها التجذّر الثقافيّ. فالمسرح حقل مستقلّ حتى الصف الثاني عشر، والموسيقى تعلّم المقامات العربيّة والنظام الموسيقي الغربي جنبًا إلى جنب، والفلسفة والثقافة العلميّة تشملان جميع فروع الثانوي. وهذه ميزات لا نجدها مجتمعةً لا في المنهاج الإنكليزي ولا في المعايير الأميركيّة.
نقاط الضعف: حيث يترك التصميم فراغات للميدان
غير أنّ الرؤية الجيّدة لا تعفي من التدقيق. وأخطر ما في المصفوفة غياب معايير المحتوى (Content Standards) في الرياضيّات والعلوم. فالنواتج تصف العمليّات الذهنيّة، لكنّها لا تسمّي مواضيع المحتوى مثل الكسور و حساب التفاضل في الرياضيات، ولا الخليّة والقوى والمول في العلوم. بل إنّ الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة تتشارك نواتج فرعيّة شبه متطابقة، من دون لائحة بالتجارب الإلزاميّة أو بقواعد السلامة المخبريّة. والمهارة بلا معرفة تشتغل عليها تبقى مهارة معلّقة في الهواء.
وثاني الثغرات أنّ التدرّج مُضمَر في حلقات من سنتين. فالنواتج الأساسيّة تتكرّر حرفيًّا من الصفّ الثاني حتى الثاني عشر في معظم المواد، ولا شيء موزّع على الصفوف، فيُترَك للكتاب المدرسي أن يقرّر ما يُنتظر من المتعلّم سنةً بسنة.
وثالثها غياب طبقة التقويم. فلا مستويات أداء ولا مواصفات ولا نماذج من أعمال التلامذة، ولا شيء يضاهي معايير التقويم الأربعة في برنامج السنوات المتوسّطة (IB MYP) أو أهداف التقويم في الشهادة البريطانيّة (GCSE). والكفايات المستعرضة نفسها بلا سلّم تقدير. وما لا يُقاس لا يُدار، وما لا يُدار ينكمش في الصفّ أمام ضغط الامتحانات.
ورابعها ضعف التمايز في الحادي عشر والثاني عشر. ستّة فروع بلا مستوى عادي ومستوى عالٍ على غرار البكالوريا الدوليّة (SL/HL)، ومسارات لغويّة وعلميّة تكرّر نصوص العاشر كما هي. وهذا يضعف جاهزيّة طلّابنا للجامعات العلميّة العالميّة.
وخامسها ثغرات نوعيّة متفرّقة: لا نصوص مقرّرة في اللغات أو معايير لاختيارها، ولا مسار للبحث ولا لعمليّة الكتابة، والتقانة الرقميّة لا تسمّي بنى البرمجة والخوارزميّات، وعلوم إنسانيّة خفيفة في التسلسل الزمني والمهارات الخرائطيّة والنظريّة الاقتصاديّة. يُضاف إلى ذلك أخطاء تحريريّة تحتاج إلى تصحيح، كناتج أساسي في التفكير النقدي منسوخ حرفيًّا عن ناتج في التعاون.
العبرة في التطبيق: المعلّم هو المنهاج الحقيقي
لكنّ الخطر الأكبر لا يكمن في هذه الثغرات، فمعظمها قابل للمعالجة عبر المراجعة السنويّة التي نصّ عليها المرسوم. الخطر الحقيقي أن تضيع نقاط القوّة نفسها في الطريق من الوثيقة إلى الصفّ. فمنهاج الكفايات لا يُطبَّق بالتلقين. وإذا دخل المعلّم صفّه بالأدوات القديمة نفسها، فسنحصل على المنهاج القديم بغلاف جديد.
ومن هنا، أرى أنّ نجاح هذا المنهاج مشروط بأربعة ركائز متكاملة:
1. تدريب مستمرّ لا موسميّ. لا تكفي دورات التعريف بالمنهاج. المطلوب تطوير مهني تكيّفي ومتواصل على التخطيط بالكفايات، والتعلّم القائم على الاستقصاء والمشاريع، والتقويم المعياري، يجمع التدريب الحضوري بالشهادات المصغّرة الرقميّة (Micro-credentials) ومجموعات التعلّم المهنيّة داخل المدارس.
2. أدلّة تترجم الحلقة إلى سنة. أدلّة تدرّج سنويّة تبيّن متى يُقدَّم الناتج ومتى يُتقَن، مع خرائط محتوى للرياضيّات والعلوم، وقوائم قراءة للغات، ولوائح تجارب للمختبرات.
3. بنوك أنشطة جاهزة. لكلّ ناتج نشاط صفّي، وتمرين قابل للتصحيح، ومشروع ممتدّ، بحيث لا يُترَك المعلّم وحيدًا أمام نصّ مجرّد يقول له أن «يحلّل» و«ينمذج» و«يبتكر».
4. أدوات تقويم ومتابعة. سلالم تقدير من أربعة مستويات لكلّ ناتج أساسي، وبطاقات للكفايات المستعرضة، ومنصّات رقميّة تتيح للمعلّم تتبّع تقدّم كلّ متعلّم. وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكون شريكًا للمعلّم في تصميم الأنشطة وتمايزها، لا بديلًا منه.
والشرط الأهمّ أن يتمّ كلّ ذلك من دون التضحية بما يميّز المصفوفة. فحين تضغط الامتحانات ويضيق الوقت، يكون أوّل الضحايا المسرح والموسيقى، ومشاريع المواطنيّة، والاستقصاء المفتوح، والتفكير النقدي والأنشطة البحثية. ولذلك يجب أن يُبنى التقويم الرسمي بحيث يكافئ هذه الكفايات، لا أن يعاقب من يستثمر فيها.
وهذه مسؤوليّة مشتركة. فالمركز التربوي يوفّر الإطار والملاحق، لكنّ الشبكات المدرسيّة والمؤسّسات التربويّة تستطيع أن تبدأ فورًا ببناء خرائط المحتوى وخطط الوحدات، وأن ترفع ملاحظاتها الميدانيّة خلال الفترة التجريبيّة لتغذية المراجعة السنويّة. وهو ما قامت به مجموعة غلوبال اديوكايش ومدارسها من قبل صدور هذا المستند.
من الوثيقة إلى الثقافة
بين أيدينا تصميم طموح يضع لبنان في موقع متقدّم في بعض الميادين، ويحتاج إلى استكمال في ميادين أخرى. لكنّ التصميم وحده لا يصنع نهضة تربويّة. النهضة تبدأ حين يصبح المنهاج ثقافةً يوميّة في المدرسة، يتمرّس بها المعلّم والمتعلّم معًا.
العبرة إذًا ليست في جمال المصفوفة، بل في قدرتنا على أن نضع بين يدَي كلّ معلّم التدريبَ والدليلَ والنشاطَ والأداةَ، كي يطبّقها كما صُمّمت. فإن نجحنا في ذلك، كانت هذه الوثيقة بداية مسار لبناء الإنسان الجديد في عصر الذكاء الاصطناعي. وإن فشلنا، انضمّت إلى رفوف الوثائق الجميلة التي لم تصل إلى الصفّ أبدًا.



