
من يمرّ في الجميزة ومار مخايل والواجهة البحرية لبيروت وانطلياس والبترون… وما سوى ذلك من مناطق ساحلية وجبلية يعتقد أن الأزمة بعيدة عن لبنان، فالمقاهي ممتلئة، والطلب على المساحات التجارية لا سيما في قلب بيروت يتزايد. لكن “هذه الصورة لا تعني تعافياً اقتصادياً عاماً، فالقطاع يتحرك ضمن اقتصاد بالغ الهشاشة”، بحسب مصدر اقتصادي – مالي.
ويرى المصدر ان اقتصاد نقدي يموّل الطفرة، شارحا انه منذ انهيار المصارف عام 2019 انتقل جزء كبير من النشاط إلى التعامل بالدولار النقدي.
وكان البنك الدولي قد قدّر هذا الاقتصاد بنحو 9.9 مليارات دولار، أي 45.7% من الناتج المحلي في 2022.
وبالتالي يقول المصدر: قد وجّه هذا الواقع سيولة إلى قطاعات تدرّ نقداً سريعاً، موضحا انه عندما تراجعت جاذبية العقارات، اصبح الاستثمار في المطاعم خياراً مغرياً لمن يملك سيولة، لأن العائد قد يبدأ خلال أشهر ويكتمل خلال سنة إذا أُحسن اختيار الموقع. ويشير الى ان هذه الطفرة تتركز عند فئة تملك دخلاً بالدولار أو تعتمد على تحويلات المغتربين، لا عند عموم اللبنانيين الذين تآكلت قدرتهم الشرائية.
وفي هذا السياق، يذكر المصدر ان صورة “الزحمة” اكان بالنسبة الى فتح المطاعم او ارتيادها، ليست واقعية اطلاقا، لان “القطاع انهار ثم عاد وتقلّب”، اذ تشير الارقام بوضوح الى تراجع عدد المطاعم من 8,500 قبل الأزمة إلى 4,500 عام 2022، ثم عاد هذا العدد إلى الارتفاع. غير أن هذا التعافي يبقى رهن الاستقرار الأمني والسياحي.
وفي هذا السياق كان نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر، قد اشار في موقف سابق له الى ان تراجع أعداد المغتربين في موسم صيف 2026 بين 30 و40%، ادى الى تسجيل قطاع المطاعم هبوطاً مماثلاً في إيراداته، أي نحو 40%.
وفي الاقتصاد الكلي، خفّض بنك عودة توقعاته لعام 2026 إلى انكماش بنحو 5% في أفضل السيناريوهات، أي إذا صمد وقف إطلاق النار، بعد أن كان يتوقع في بداية العام نمواً صفرياً. ويقابل ذلك أن عام 2025 كان أفضل أعوام الاقتصاد منذ أكثر من عقد، بنمو قدّره البنك الدولي بنحو 3.5%.
وانطلاقاً من الارقام أعلاه، سئل: لماذا تُفتح مطاعم وتُغلق بسرعة؟ يجيب المصدر: يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل، من ابرزها:
– افتتاح المشاريع بالاعتماد على موجة الفضول والتصميم اللافت، دون دراسة جدوى طويلة المدى، فإذا خفّ الإقبال تعذّرت تغطية التكاليف.
– ارتفاع كلفة التشغيل، من الطاقة والمحروقات والمياه إلى الإيجارات والأجور، ما يدفع بعضهم إلى العمل الموسمي لتقليل النفقات الثابتة.
– إعادة فتح المكان بمفهوم واسم جديدين، فالموقع والتجهيزات مدفوعة أصلاً، وتغيير الهوية أقل كلفة من الخروج الكامل.
ويختم المصدر بالتأكيد ان ازدحام المقاهي وارتفاع الطلب على المساحات ليسا دليلاً على غياب الأزمة، بل نتيجة لها. فالقطاع يعتمد على سيولة نقدية وفئة محدودة من المنفقين، ويتأثر مباشرة بالمغتربين والسياحة والوضع الأمني. لذلك يجمع بين افتتاحات لافتة وإغلاقات متكررة، ويبقى مرآة لاقتصاد قائم على الكاش أكثر مما هو دليل على تعافٍ شامل.



