
شارك صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، صباح الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026، في المؤتمر الليتورجي الذي نظمته جامعة الروح القدس – الكسليك، بمناسبة مرور خمسين سنة على صدور الكتاب الأول من كتب الفرض الإلهي الماروني، في حضور حشد من الأساقفة والرؤساء العامين والرئيسات العامات والرهبان والراهبات وكهنة الرعايا والإكليريكيين والأساتذة والباحثين.
ووصل غبطته إلى الجامعة عند الساعة العاشرة صباحًا، حيث كان في استقباله عدد من الأساقفة والرؤساء العامين والكهنة والرهبان والراهبات، قبل أن يجول على معرض للصور يوثّق تاريخ معهد الليتورجيا ومسيرة التجديد الليتورجي الماروني، ثم انتقل إلى مسرح البابا يوحنا بولس الثاني، حيث انعقد المؤتمر.
افتتاح المؤتمر: خمسون عامًا من خدمة التراث الليتورجي
وافتُتح المؤتمر بباقة من التراتيل المارونية أدّتها الجوقة بقيادة الأب أنطوان سلامة، تلتها كلمة للأب شربل غنطوس، رئيس معهد الليتورجيا، الذي أكد أن الاحتفال باليوبيل الذهبي لا يقتصر على استعادة الماضي، بل يشكل دعوة إلى تجديد الإنسان والكنيسة.
واستحضر رؤية النبي حزقيال للنهر الخارج من الهيكل، الذي يهب الحياة للأرض ويجعل الأشجار تثمر على ضفتيه (حزقيال 47: 1-12)، معتبرًا أن معهد الليتورجيا كان أشبه بهذا النهر الذي حمل كلمة الحياة إلى الكنيسة، وأسهم في إحياء تراثها الروحي.
وأشار إلى أن تأسيس المعهد سنة 1969، وإصدار كتاب أسبوع الآلام، ثم سائر كتب الأزمنة الليتورجية، شكّلت محطات أساسية في النهضة الطقسية المارونية، وأسهمت في المحافظة على التراث السرياني الأنطاكي وتعزيز الحوار بين الكنائس. ووجّه تحية وفاء إلى رواد هذه المسيرة، ولا سيما الأباتي يوحنا تابت والأب الحبيس يوحنا خوند، مشددًا على أن الليتورجيا ليست ذاكرة محفوظة في الكتب، بل حياة تستمدها الكنيسة من المسيح وتحملها شهادة إلى العالم.
مداخلات تستعيد رواد النهضة الليتورجية المارونية
ثم كانت مداخلة للأب هاني مطر، الذي استعاد تاريخ تأسيس معهد الليتورجيا في أجواء التجديد الكنسي التي أعقبت المجمع الفاتيكاني الثاني، مؤكدًا أن الهدف لم يكن استيراد ليتورجيا جديدة، بل العودة إلى الجذور السريانية المارونية وتقديم النصوص بلغة يفهمها المؤمنون. وتوقف عند الدور المحوري للأباتي يوحنا تابت في تأسيس المعهد وإعداد كتب الفرض الإلهي، والأب الحبيس يوحنا خوند والأب روفائيل مطر في ترجمة النصوص وصياغتها شعرًا عربيًا يتلاءم مع الألحان المارونية الأصيلة، مشيرًا إلى أن هذا العمل جمع بين الأمانة للكتاب المقدس والدقة اللاهوتية والجمال الشعري والموسيقي.
وفي مداخلته، أشاد البروفسور جورج حبيقة، النائب العام والرئيس الفخري لجامعة الروح القدس – الكسليك، بالدور الريادي للأب لويس الحاج في تأصيل الموسيقى المارونية، معتبرًا أنه أرسى منهجًا علميًا لجمع الألحان السريانية المارونية وتدوينها وحمايتها من التشويه والضياع. وأكد أن الموسيقى الليتورجية هي تجسيد صوتي لكلمة الله، وأن جمالها يكمن في بساطتها وقدرتها على مساعدة المؤمن على الصلاة. كما توقف عند شخصية الأب روفائيل مطر، مشيدًا بموهبته الأدبية والشعرية وإسهامه في خدمة النصوص الليتورجية.
بدوره، أكد الأباتي هادي محفوظ، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية، أن التجديد الليتورجي الذي انطلق من الكسليك أحدث تحولًا عميقًا في حياة الكنيسة المارونية، بعدما أسهم في تعزيز مشاركة الشعب في الصلاة والاحتفالات الكنسية. وأوضح أن الرهبانية كانت المكان الأول لاختبار النصوص الجديدة، قبل إصدارها واعتمادها تدريجيًا في الأديار والرعايا، مشيرًا إلى أن هذه النهضة جاءت استجابة لدعوة المجمع الفاتيكاني الثاني إلى المشاركة الواعية والفاعلة للمؤمنين في الليتورجيا.
ووجّه تحية وفاء إلى الأباتي يوحنا تابت والأب لويس الحاج والأب روفائيل مطر والأب الحبيس يوحنا خوند، الذين شكّلوا أعمدة أساسية في مسيرة التجديد الليتورجي الماروني.
وعقب المداخلات، عُرض فيلم وثائقي استعاد تاريخ معهد الليتورجيا منذ تأسيسه سنة 1969، وأبرز المحطات التي طبعت مسيرته وإسهامات الآباء والباحثين في المحافظة على التراث الليتورجي الماروني وإحيائه.
الليتورجيا ليست مجموعة طقوس بل قلب حياة الكنيسة ورسالتها
ثم ألقى البطريرك الراعي كلمة شدد فيها على أن الاحتفال بمرور خمسين سنة على صدور الكتاب الأول من كتب الفرض الإلهي الماروني ليس مجرد محطة لاستذكار إنجازات الماضي، بل مناسبة للتفكير في مسؤولية الكنيسة تجاه تراثها الروحي، وكيفية المحافظة عليه وفهمه بعمق ونقله إلى الأجيال المقبلة.
وقال غبطته إن الليتورجيا «ليست أمرًا ثانويًا في حياة الكنيسة، ولا مجرد مجموعة من النصوص والطقوس التي نحافظ عليها احترامًا للماضي، إنما هي في صميم حياة الكنيسة ورسالتها»، موضحًا أنها المكان الذي تجتمع فيه الجماعة المؤمنة حول الرب، وتصغي إلى كلمته، وتحتفل بأسراره، وتعبّر عن إيمانها بالصلاة والترتيل.
واستشهد بتعليم المجمع البطريركي الماروني الذي يعتبر الليتورجيا «الكنز الحي للكنيسة المارونية»، وبالدستور حول الليتورجيا المقدسة الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي يصفها بأنها «القمة التي يتجه إليها عمل الكنيسة، والينبوع الذي تنبع منه قوتها».
وأكد أن الليتورجيا لا تنفصل عن رسالة الكنيسة، لأنها تشكل ينبوع حياتها الروحية، ومصدر وحدتها، والتعبير الأصيل عن إيمانها وهويتها.
العودة إلى الجذور لا تعني الانغلاق والتجديد لا يعني التخلي عن التراث
وتوقف غبطته عند غنى التراث الماروني الذي وصل إلى الكنيسة عبر قرون طويلة، وحفظته الأديرة والكنائس والصلوات والأناشيد والمزامير والمخطوطات، معتبرًا أن هذا التراث يحمل صوت أنطاكية السريانية، ويكشف عمق الكتاب المقدس في الصلاة المارونية.
وشدد على أن العودة إلى المصادر السريانية والمخطوطات القديمة ضرورة لفهم الهوية الليتورجية المارونية والمحافظة على أصالتها، لافتًا إلى أن المجمع البطريركي الماروني أكد ضرورة أن يستند التجديد إلى الينابيع والأصول.
وأوضح أن العودة إلى الجذور لا تعني الانغلاق في الماضي، كما أن التجديد لا يعني التخلي عما تسلمته الكنيسة من تراثها، بل يقتضي الجمع بين المحافظة على التقليد الصحيح والانفتاح على البحث التاريخي واللاهوتي والرعوي.
ورأى أن التحدي الأساسي يكمن في أن يبقى التراث الليتورجي حيًا في صلاة المؤمنين، وألا يتحول إلى مجرد مادة للدراسة أو ذاكرة محفوظة في الكتب.
يحيّي رواد التجديد الليتورجي: إرث علمي وروحي يجب المحافظة عليه
وأشاد البطريرك الراعي بالدور الذي أدته الرهبانية اللبنانية المارونية وجامعة الروح القدس – الكسليك في احتضان البحث الليتورجي، معتبرًا أن تأسيس معهد الليتورجيا سنة 1969 شكّل محطة أساسية في تنظيم هذا العمل وتطويره.
وخصّ بالذكر الأباتي يوحنا تابت، الذي انتقل إلى بيت الآب، مشيدًا بجهوده في دراسة المصادر والمخطوطات الليتورجية وإظهار غنى التقليد الماروني، وباهتمامه بالفرض الإلهي والتراث السرياني ومصادر الصلاة والترتيل.
كما وجّه تحية تقدير وامتنان إلى الأب الحبيس يوحنا خوند، الذي كرّس حياته لخدمة النصوص الليتورجية والكتاب المقدس، مؤكدًا أن الليتورجيا تحتاج إلى من يدرس مصادرها، كما تحتاج إلى من يساعد الكنيسة على التعبير عن إيمانها بلغة مفهومة وأمينة.
واستذكر كذلك إسهامات الأب روفائيل مطر والأب عمانوئيل خوري وسائر الذين شاركوا في مسيرة التجديد، مشددًا على أن هذا الإنجاز كان ثمرة جهد جماعي تكاملت فيه خبرات الأشخاص والمؤسسات على مدى عقود.
أربع مسؤوليات لمستقبل الليتورجيا المارونية
وانطلاقًا من تعليم المجمع البطريركي الماروني، حدد غبطته أربع مسؤوليات مترابطة تبرز اليوم أمام الكنيسة المارونية، وتتمثل في مسؤولية البحث العلمي، ومسؤولية التنشئة، ومسؤولية الترتيل والموسيقى الكنسية، ومسؤولية وصل الصلاة بالحياة
وأوضح أن البحث العلمي يقتضي مواصلة دراسة المخطوطات وتحقيق النصوص والعودة إلى المصادر السريانية الأنطاكية، لكي يستند التجديد الليتورجي إلى أسس تاريخية ولاهوتية راسخة.
أما التنشئة، فتقتضي نقل المعرفة الليتورجية من المعاهد والجامعات إلى الكهنة والرهبان والراهبات والإكليريكيين والمؤمنين، ومساعدتهم على فهم ما يصلّونه، والمشاركة الواعية في الاحتفالات الكنسية.
وشدد على أن الترتيل والموسيقى الكنسية يشكلان عنصرين أساسيين في التعبير عن الإيمان، ما يستوجب المحافظة على أصالة الألحان المارونية وإحيائها، بعيدًا عن كل ما يفقدها طابعها الروحي.
أما المسؤولية الرابعة، وهي وصل الصلاة بالحياة، فاعتبرها غبطته جوهر الرسالة الليتورجية، لأن الصلاة لا تبلغ غايتها إذا بقيت محصورة في النصوص والاحتفالات، بل ينبغي أن تتحول إلى شهادة يومية في العائلة والمجتمع والعالم.
وأكد أن الهدف من التجديد الليتورجي هو فتح الطريق أمام المؤمن ليدخل إلى عمق الصلاة، وأن يُساعد على أن يصلي ما يؤمن به، ويفهم ما يصليه، ويحمل هذه الصلاة إلى بيته وحياته.
لتبقَ ليتورجيتنا ذاكرة حية لإيمان آبائنا وينبوعًا للرسالة والرجاء
وفي ختام كلمته، دعا البطريرك الراعي إلى المحافظة على الليتورجيا المارونية بوصفها ذاكرة حية لإيمان الآباء، وصوتًا يصلي في قلب الكنيسة، ولقاءً متجددًا بالمسيح، ومدرسة للوحدة، وينبوعًا للرسالة والرجاء في لبنان والشرق والعالم.
وشدد على أن الأمانة للتراث لا تتحقق بمجرد حفظ النصوص في الكتب، بل بإحيائها في الصلاة، ونقلها إلى الأجيال، وجعلها مصدرًا متجددًا للحياة الروحية والكنسية.
وختم غبطته بالقول: «فلنبقَ لليتورجيتنا ذاكرة حية لإيمان آبائنا، وصوتًا يصلي في قلب كنيستنا، ولقاءً متجددًا بالمسيح، ومدرسة للوحدة، وينبوعًا للرسالة والرجاء في لبنان والشرق والعالم. ولإلهنا المجد والشكر إلى الأبد. آمين».
البطريرك الراعي يكرّم الأب الناسك يوحنا خوند تقديرًا لعطائه في خدمة الكنيسة
وفي ختام المؤتمر، كرّم صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الأب الناسك يوحنا خوند، البالغ من العمر تسعين عامًا، تقديرًا لمسيرته الرهبانية والروحية والعلمية، ولما قدّمه على مدى عقود من خدمة جليلة للكنيسة المارونية، ولا سيما في مجال الكتاب المقدس وترجمة النصوص الليتورجية وإعداد صلوات الفرض الإلهي.
وشكّل هذا التكريم لفتة وفاء وعرفان إلى أحد أبرز رواد النهضة الليتورجية المارونية، الذي كرّس حياته للصلاة والبحث والعمل في صمت، وأسهم في المحافظة على أصالة التراث الكنسي ونقله إلى الأجيال، ليبقى إرثه الروحي والعلمي حاضرًا في حياة الكنيسة وصلاتها.



