
المؤتمر السنوي الثاني مجموعة عمل أكاديميات وأكاديميون من أجل لبنان بالتعاون مع الهيئة اللبنانية للتاريخ، تحت عنوان “الدولة في لبنان وإعادة بنائها في ظلّ التحوّلات الجيوسياسيَّة”، بتمويل من سفارة سويسرا في لبنان وسوريا.
نظمت مجموعة عمل أكاديميات وأكاديميون من أجل لبنان بالتعاون مع الهيئة اللبنانية للتاريخ مؤتمرها السنوي الثاني، تحت عنوان الدولة في لبنان وإعادة بنائها في ظلّ التحوّلات الجيوسياسيَّة، بتمويل من سفارة سويسرا في لبنان وسوريا.
وهدف المؤتمر إلى فتح مساحة أكاديميَّة للنقاش في مسألة الدولة والتحدّيات التي تواجهها في ظلّ التحوّلات الجيوسياسيَّة العميقة والمتسارعة.
ضمّ المؤتمر مشاركين من القطاعين العام والخاص في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والإعلام، بالإضافة إلى الباحثين والباحثات، والهيئات الأكاديمية والتعليمة، والناشطين والناشطات المهتمين بهذه المجالات. وحضر جلسة الافتتاح وزير الثقافة في لبنان الدكتور غسان سلامه ونائب رئيس البعثة السويسرية في لبنان وسوريا فينسنت باسكييه.
شارك وزير الثقافة غسان سلامة كمتحدث رئيسي في المؤتمر. وقال في مداخلته: “مثل الدولة مثل رفيقة قديمة نعتقد مراراً أننا افترقنا، فإذ بالزمن يمر ونلتقي مجدداً. هذه حالي مع الدولة منذ أكثر من أربعين أو خمسين عاماً، أهرب منها وأعود إليها”.
وأشار إلى أن الثمانينات شهدت عودة قوية لمفهوم الدولة إلى المجال الفكري، بعدما طغت في الستينات والسبعينات قضايا كبرى كالأمة وفلسطين والحرب الباردة. وتوقف سلامة عند تجربته في العراق عام 2003، حيث عمل على إعادة بناء الدولة في ظل احتلال أجنبي. وانتقل سلامة إلى تجربته في ميانمار وفي ليبيا، حيث عمل بين 2017 و2020.
وخلص سلامة إلى قاعدة عامة من تجاربه: “عندما تكون الدولة متماهية مع النظام، فإن تغيير النظام يؤدي إلى انهيار الدولة، وإذا كان المجتمع مركّباً، فإن انهيار الدولة يؤدي إلى انفجار المجتمع”.
وقال: “لذلك كنت وسأبقى معادياً لفكرة تغيير النظام من الخارج”.
وفي الشأن اللبناني، استعاد سلامة دوره كمستشار للجنة الثلاثية في اتفاق الطائف، مشيراً إلى أن الاتفاق كان في جوهره “الحد الأدنى المشترك بين القوى السياسية الموجودة على الأرض، وليس نتاج تفكير خبراء دستوريين”.
وختم بالحديث عن واقع الدولة اللبنانية اليوم، معتبراً أن غيابه 23 عاماً بين وزارتين جعله يدرك أن ما حصل أخطر مما توقع. وقال: “كنت أرى من بعيد أن الدولة تتقلص تدريجياً، لكني لم أتنبه إلى أن تقلص الدولة يترك فراغاً، والطبيعة تكره الفراغ. فالفراغ الذي تركه تقلص الدولة ملأته قوى ومصالح ومافيات تمنع إعادة بناء الدولة”.
وأضاف: “لم أكن أتصور عندما عدت إلى رفيقتي القديمة الدولة أنني انخرطت فعلاً في حرب إعادة فكرة الدولة إلى صنع الحياة السياسية في لبنان، في التعليم والصحة ورفع النفايات والقطاع المصرفي والأمن، في كل القطاعات”.
وكانت كلمة لنائب رئيس البعثة السويسرية في لبنان وسوريا فنسيت باسكييه أبرز ما جاء فيها:
عندما تواجه المجتمعات حالة من عدم اليقين، قد يكون هناك إغراء بالانكفاء إلى المواقف المألوفة، إلى الأسرة أو الدائرة الانتخابية أو المجموعة الطائفية… بحثاً عن إجابات بسيطة لأسئلة معقدة، أو السماح للأزمات الفورية بأن تطغى على التفكير على المدى الطويل. لكن في مثل هذه اللحظات بالذات يصبح الحوار المفتوح والمدروس والبناء أمراً ضرورياً.
وأضاف: “تحتاج الدولة القوية إلى مؤسسات قوية، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب. فهي تعتمد أيضًا على الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وعلى القدرة على إدارة الخلافات سلميًا، وعلى فهم مشترك للمسؤوليات والحقوق التي تربط المجتمع ببعضه البعض. وسويسرا تدرك ذلك جيدًا. فتاريخها هو تاريخ التغلب على الخلافات، وإيجاد أرضية مشتركة، وتحويل التنوع إلى فرص. وهو يبرهن على كيفية تعايش المجتمعات اللغوية والثقافية والسياسية المختلفة وبناء مستقبل مشترك من خلال الحوار والتسوية والاحترام المتبادل.
وأشارت د. منى الباشا من مجموعة أكاديميات وأكاديمون أنّ موضوع المؤتمر يقع في صميم الاحداث التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط والعالم، في ظل مرحلة من التحولات الجيوسياسية العميقة والمتسارعة، التي لا تقتصر تداعياتها على اعادة تشكيل موازين القوى وأنماط العلاقات الدولية فحسب، بل تمتد لتطال مفهوم الدولة ووظائفها وأدوارها وموقعها في نظام دولي متحول.
وأردفت: “نحن أكاديميات واكاديميون من اجل لبنان نرى أنفسنا في طليعة المعنيين بهذه التحولات وتداعياتها على الساحة اللبنانية؛ إذ أن السعي الى حماية لبنان والتمسك به والحافظ على وحدة أراضيه وشعبه، والتصدّي لكلّ فكرٍ يؤجّج الخلافات ويمزّق النسيج الاجتماعي، هي من أهمّ المهامّ التي أخذها أعضاء هذا التجمّع على عاتقهم”.
وتخلل المؤتمر مجموعة من طاولات مستديرة تمحورت حول مفهوم الدولة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وبناء الدولة وسط هذه التحولات.



