
في واحدة من أكثر حلقات “ABtalks” صدقاً وتأثيراً، أطلت النجمة اللبنانية نانسي عجرم خارج إطار الصورة اللامعة، لتدخل إلى مساحة الاعتراف الإنساني الصافي، حيث لا مكياج يخفي الوجع ولا شهرة تحجب الأسئلة الثقيلة. مع الإعلامي أنس بوخش، فتحت نانسي أبواب ذاكرتها، وواجهت ذاتها كما هي: امرأة، أم، طفلة سابقة، ونجمة صنعت مجدها على حساب أعوام لم تُعَش.
في اللحظات الأكثر وجعاً، خانها صوتها وهي تتحدث عن فكرة الرحيل، فبكت لا خوفاً على نفسها، بل خوفاً من “وجع الاشتياق” الذي قد يثقل قلوب بناتها من بعدها. وجّهت لهن وصيّة أقرب إلى نشيد حياة، دعت فيه إلى القوّة والاستمرارية، طالبةً منهن ألّا يسمحْن للحزن بأن يقيّد أيامهن، حتى “تكون مرتاحة في مكانها”، على حد تعبيرها، في لحظة امتزج فيها الحب بالألم والوعي بالفقد.
أما طفولتها، فلم تحضر بوصفها مرحلة دافئة، بل كفصل مبتور. اعترفت نانسي بأن الشهرة المبكرة سرقت منها سنوات البراءة، إذ وقفت على المسرح في السابعة، وحملت مسؤوليات أكبر من عمرها، وعاشت في عوالم الكبار قبل أن تتقن اللعب. وبرغم ذلك، لم تُحمّل والدها أي عتب، بل رأت في إصراره وإيمانه بموهبتها حجر الأساس لنجاحها، مؤكدة أنها لا تشعر بالندم، بل بالامتنان لمسار صعب صنع امرأة تعرف اليوم ثمن ما وصلت إليه.
ومن ذاكرة الحرب، استحضرت واحدة من أقسى صور حياتها: تشتّت العائلة تحت القصف، والهروب بحثاً عن أمان مفقود. ذكرى بقيت محفورة في وجدانها كجرح قديم لا يندمل، وكتجربة شكّلت جانباً من حساسيتها المفرطة تجاه الخوف والفقد.
وفي مواجهة شائعات الانفصال، ردّت نانسي بحزم وهدوء على كل ما يُقال عن علاقتها بزوجها الدكتور فادي الهاشم، معتبرة أن الاستقرار ذاته بات مادة للشك في زمن اعتاد على التفكك. ورأت أن سرّ نجاح أي زواج يكمن في اختفاء «الأنا» لصالح «نحن»، وفي الاحترام والحوار، رافضةً منطق الصراع بين الرجل والمرأة، ومؤمنةً بالشراكة لا بالندية المتشنجة
وعلى مستوى صورتها واختياراتها الشخصية، أكدت نانسي أنها لا تعارض التعديلات البسيطة التي تحسّن المظهر، لكنها ترفض العبث بالملامح أو المبالغة التي تُفقد الإنسان طبيعته. واعترفت بأن «الوعي الزائد» هو أكثر ما يُتعبها، فهي رغم عفويتها الظاهرة، شخصية يقظة وحذرة، تفكر كثيراً وتشعر أكثر.
أما المال والمتعة، فترى فيهما وسيلة لا غاية؛ تحب إنفاقهما على السفر، واكتشاف الأماكن، وخوض تجارب جديدة تفتح شهيتها للحياة. وتصف نفسها اليوم بأنها «نسخة أفضل من الأمس»، امرأة تتصالح تدريجياً مع ذاتها، وتجد تناغماً أكبر بين قلبها وعقلها، ما جعلها أكثر هدوءاً ونضجاً.
وفي ختام الحوار، التفتت نانسي إلى الطفلة التي كانتها يوماً، وقالت لها ببساطة مؤثرة: «برافو». برافو لأنها اجتهدت، وتعبت، وحققت أحلاماً كبيرة على المستويين الفني والعائلي. مؤكدة أنها لو عاد بها الزمن، لما غيّرت شيئاً من ماضيها، لأن كل عثرة وكل نجاح قادها إلى «الواقع الذي تحبه وتستمتع به اليوم»… واقع تختصره بكلمة واحدة: الإنسانيّة
في ABtalks، لم تظهر نانسي عجرم كنجمة، بل كـ امرأة فولاذيّة تستمد قوّتها من إنسانيتها، من حساسيتها وصدقها قبل أي شيء آخر. بدت بعيدة عن صخب الفن وسطحية صورته، قريبة من ذاتها، حاضرة بوعي نادر وحكمة هادئة.
كلامها حمل ثباتاً انفعالياً ومسؤولية واضحة تجاه جمهورها، وكأنها تعرف أن كل كلمة قد تترك أثراً في روح أحدهم.
وخلف هذا الاتزان، كان حزن دفين يحاول أن يبقى مخفياً، ووحدة تراكمت رغم الزحمة والضجيج.
حلقة نجح فيها أنس بوخش في ملامسة عمق نانسي الحقيقي، فجاءت واحدة من أصدق وأجمل حلقات البرنامج.





