الدكتورة منال عبدالكريم الرويشد: رائدة الفنون التشكيلية في المملكة العربية السعودية

 

عبير بركات و احمد الثقفي

تلعب الفنون التشكيلية دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الثقافي للأمم، حيث تُعدّ لغةً بصريةً تعكس هوية الشعوب وتوثق تاريخها وتحولات حاضرها. وفي المملكة العربية السعودية، شهدت الفنون التشكيلية نهضةً لافتةً في العقود الأخيرة، وذلك بفضل جهود نخبةٍ من المبدعين الذين كرّسوا حياتهم لتعزيز مكانة الفن السعودي محليًا وعالميًا. ومن بين هذه الأسماء البارزة، يسطع نجم الدكتورة منال عبدالكريم الرويشد، التي قدّمت إسهاماتٍ جليلةً في تطوير الفنون البصرية، سواءً على المستوى الأكاديمي أو من خلال دورها القيادي في المؤسسات الفنية.

لم تكن الدكتورة منال مجرد فنانةٍ تشكيليةٍ، بل كانت مفكرةً، وباحثةً، ومؤلفةً، ومؤثرةً في المشهد الفني والثقافي، حيث جمعت بين الحس الإبداعي والمنهج العلمي، وسعت إلى ترسيخ الفنون التشكيلية كأحد مكونات الهوية الوطنية السعودية، من خلال أعمالها وجهودها في دعم المواهب الشابة، والإشراف على المشاريع الفنية التي تعكس روح المملكة وتراثها الغني.

النشأة والتعليم: رحلة البحث عن الإبداع والعلم

لم يكن الطريق نحو الإبداع بالنسبة للدكتورة منال مجرد صدفةٍ، بل كان نتاج سنواتٍ من الاجتهاد والتعلّم والتطوير المستمر. منذ صغرها، كانت شغوفةً بالفن، واستطاعت أن تحوّل هذا الشغف إلى مسارٍ أكاديميٍ متكامل، فحصلت على درجة الدكتوراه في التصميم، وهو ما مكّنها من المزج بين الموهبة الفطرية والمعرفة العلمية، مما انعكس على أعمالها ومنهجها في تطوير الفنون التشكيلية في المملكة.

لم يكن حصولها على هذه الدرجة العلمية مجرد إنجازٍ شخصي، بل كان خطوةً أساسيةً في تحقيق رؤيتها التي تجمع بين التقاليد الفنية السعودية وأحدث الاتجاهات العالمية في التصميم والفنون البصرية، حيث استطاعت أن تربط الفن بالهوية الوطنية، وتوظّفه كوسيلةٍ لنقل التراث السعودي إلى العالم بأسلوبٍ عصريٍ حداثي.

دورها في النهوض بالفنون التشكيلية

القيادة الفنية والإدارية

إيمانًا منها بدور المؤسسات في دعم الفن وتطويره، تولّت الدكتورة منال عبدالكريم الرويشد رئاسة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، والتي تُعدّ إحدى أهم المنصات الداعمة للفنانين التشكيليين في المملكة. وخلال فترة قيادتها، لعبت دورًا محوريًا في:

• دعم الفنانين الشباب وتوفير الفرص لهم لعرض أعمالهم.

• تنظيم المعارض الفنية التي تُبرز الهوية السعودية بأسلوبٍ معاصر.

• تعزيز التعاون بين الفنانين السعوديين ونظرائهم على المستوى الإقليمي والدولي.

• إثراء المشهد الفني من خلال طرح مبادراتٍ تواكب التحولات الثقافية في المملكة.

كان لفكرها القيادي تأثيرٌ بالغٌ في تطوير البنية التحتية للفن التشكيلي السعودي، حيث سعت إلى تحويل الفن من مجرد ممارسةٍ فردية إلى صناعةٍ قائمةٍ على أسسٍ أكاديميةٍ ومنهجيةٍ مدروسة.

الإبداع في التصميم والفنون البصرية

تتميّز أعمال الدكتورة منال الرويشد بأنها ليست مجرد لوحاتٍ تشكيليةٍ، بل هي رسائل بصرية تحمل معاني ثقافية ووطنية، وتعكس رؤيةً فنيةً تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. فقد استطاعت أن توظّف عناصر التراث السعودي، مثل الزخارف والنقوش الإسلامية والخط العربي، بأسلوبٍ حديثٍ يعكس الهوية الوطنية في إطارٍ متجدد.

 

إضافةً إلى ذلك، فإنها من أوائل من ركّزوا على أهمية الفنون التشكيلية في التعليم، حيث رأت أن الفن لا يجب أن يكون حكرًا على الفنانين، بل يجب أن يكون جزءًا من المناهج التعليمية التي تسهم في تنمية الذائقة الجمالية للأجيال القادمة.

إسهاماتها الأكاديمية والثقافية

التأليف والنشر

إلى جانب إبداعها الفني، كانت الدكتورة منال أيضًا باحثةً نشطةً في مجال الفنون، حيث ساهمت في تأليف مجموعةٍ من الكتب التي تُثري المكتبة الفنية السعودية. وقد تناولت هذه الكتب:

• مفاهيم التصميم والفنون البصرية، حيث قدّمت تحليلاتٍ علميةً حول أساليب التصميم الحديثة.

• التاريخ الفني السعودي، عبر توثيق مسيرة الفنون التشكيلية في المملكة.

• دور الفن في تعزيز الهوية الوطنية، من خلال دراساتٍ تربط بين الموروث الثقافي والأساليب الفنية الحديثة.

دورها في تمكين المرأة السعودية في الفن

تُعدّ الدكتورة منال نموذجًا مشرقًا للمرأة السعودية التي استطاعت أن تُثبت حضورها في مجالٍ كان حكرًا على الرجال لعقودٍ طويلة. فبفضل جهودها، أصبحت المرأة السعودية اليوم جزءًا أساسيًا من المشهد الفني، ونجحت في تحقيق إنجازاتٍ غير مسبوقة في الفنون البصرية والتصميم.

ومن خلال إشرافها على العديد من المشاريع الثقافية والفنية، ساهمت في:

• تشجيع المواهب النسائية وإتاحة الفرصة لهنّ لعرض إبداعاتهنّ في معارض محلية ودولية.

• دعم البرامج التعليمية التي تُعزّز دور المرأة في الفنون، سواءً كفنانةٍ تشكيلية أو أكاديميةٍ أو مصممة.

• إبراز دور المرأة في الفنون من خلال كتاباتها وأبحاثها، التي سلّطت الضوء على تجربة الفنانات السعوديات في العصر الحديث.

التكريم والإنجازات

نظرًا لإسهاماتها المتميزة في الفنون والتصميم، حصلت الدكتورة منال الرويشد على العديد من الجوائز والتكريمات على المستويين المحلي والدولي. وقد جاءت هذه الجوائز تقديرًا لدورها في:

• تطوير الفنون التشكيلية في المملكة.

• تمثيل السعودية في المحافل الثقافية والفنية الدولية.

• الإسهام في إثراء المكتبة الفنية من خلال مؤلفاتها وأبحاثها.

لم يكن هذا التكريم مجرد إشادةٍ بمسيرتها، بل كان تأكيدًا على أن الفن السعودي قد أصبح له صوتٌ عالمي، بفضل جهود روّادٍ مخلصين مثل الدكتورة منال.

التكريمات والإنجازات

بفضل مسيرتها الحافلة بالعطاء، حظيت الدكتورة منال الرويشد بتكريماتٍ متعددةٍ تقديرًا لجهودها في الارتقاء بالفنون التشكيلية في المملكة، ومن أبرز هذه التكريمات:

1. تكريمها كشخصية العام من قبل جمعية الثقافة والفنون بجدة (2021)، خلال جائزة مسابقة ضياء عزيز ضياء للبورترية.

2. دورها في تدشين معرض “تعابير” بجدة (2024)، والذي حضره عدد من الشخصيات الثقافية والفنية البارزة.

3. افتتاح معرض الفنان سعيد علاوي بمكة المكرمة (2024)، ضمن فعاليات جمعية جسفت.

4. تكريمها من قبل الجمعية السعودية للفنون التشكيلية لمساهمتها في دعم الفن السعودي محليًا وعالميًا.

5. إشرافها على معارض محلية ودولية تعكس التراث والثقافة السعودية عبر الفنون التشكيلية

تُمثل الدكتورة منال عبدالكريم الرويشد علامةً فارقةً في تاريخ الفنون التشكيلية في المملكة العربية السعودية، حيث استطاعت أن تجمع بين الفن والعلم، والهوية والحداثة، والموهبة والمنهجية. ومن خلال مسيرتها الزاخرة بالإنجازات، أثبتت أن الفن ليس مجرد لوحةٍ تُرسم، بل هو رسالةٌ ثقافية، وأداةٌ للتعبير، وجسرٌ يربط الشعوب ويُسهم في بناء الهوية الوطنية.

إن الحديث عن الدكتورة منال هو حديثٌ عن رؤيةٍ متجددة للفن السعودي، ودور المرأة في إثراء الثقافة، وإمكانية تحقيق التميز من خلال الجمع بين الشغف والاجتهاد. ولا شك أن إسهاماتها ستظل نبراسًا يُضيء درب الأجيال القادمة، وإرثًا فنيًا يُخلد في ذاكرة الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى