“سُرّى” حين تصبح المجلة موقفاً ثقافياً لا عدداً دورياً: قراءة في العدد الخامس عشر من “سُرّى” الثقافية

بقلم د. تهاني رفعت بشارات

ليست كلّ المجلات الثقافية قادرة على أن تترك أثراً يشبه الأثر الذي تتركه القصيدة الأولى في الذاكرة، ولا كلّ إصدارٍ مؤهّل لأن يتحوّل من ورقٍ مطبوع إلى مساحة إقامةٍ روحية وعقلية. وحدها المجلات التي تعرف ماذا تريد من الكلمة، وإلى أين تمضي بها، تستطيع أن تحجز لنفسها مكاناً في وجدان القارئ قبل مكتبته. من هذا المنطلق، يأتي العدد الخامس عشر من مجلة “سُرّى الثقافية” بوصفه علامة فارقة في مسيرتها المتصاعدة، ودليلاً إضافياً على أن الصعود الحقيقي لا يكون بالصخب، بل بالوعي، ولا يتحقق بالكمّ، بل بالنقاء والاختيار.

في هذا العدد، تواصل “سُرّى” صعودها الهادئ نحو القمّة، صعودًا يشبه تسلّق الضوء لا اقتحام العاصفة، تحت قيادة واعية ورؤية ثقافية ناضجة يقودها الأستاذ الكاتب محمود الشبول، ومعه هيئة تحرير تعرف أن الثقافة مسؤولية قبل أن تكون منبراً، وأن الإبداع موقف قبل أن يكون نصاً. هنا، لا تُكتب المواد لتملأ الفراغ، بل لتصنع أثراً، ولا تُنشر النصوص بحثاً عن حضور عابر، بل عن بقاء مستحق.

يُدرك القارئ منذ الصفحات الأولى أنه أمام إصدار لا يراهن على الإدهاش السريع، بل على العمق المتراكم. تتشكّل النصوص في هذا العدد كنسيجٍ متماسك؛ شعر يلامس التخوم الرقيقة بين البوح والتأمل، مقالات فكرية لا ترفع صوتها لتُقنع، بل تُقنع لأنها هادئة، وقراءات نقدية تُضيء النصوص دون أن تُطفئ سحرها، وتفتح الأسئلة بدل أن تُغلقها بإجابات جاهزة. كل مادة تأتي في مكانها، وكأنها اختارت موضعها بعناية، أو كأن المجلة هي التي أصغت إليها طويلاً قبل أن تمنحها حقّ الظهور.

اللافت في هذا العدد ليس فقط تنوّع الأصوات العربية المشاركة، بل طبيعة هذا التنوع؛ فهو اختلاف لا يتصارع، وتعدّد لا يتنافى، بل يلتقي عند فكرة جوهرية: أن الثقافة ما زالت قادرة على أن تكون جسراً، لا متراساً، ومساحة حوار لا ساحة تناحر. تتجاور التجارب المخضرمة مع الأصوات الجديدة دون أن تطغى إحداها على الأخرى، في معادلة دقيقة تحترم التاريخ وتراهن على المستقبل في آنٍ واحد.

أما على المستوى البصري، فتقدّم “سُرّى” في عددها الخامس عشر تجربة قراءة متوازنة ومريحة، حيث ينسجم التصميم مع المحتوى، وتأتي الصور بوصفها امتداداً للنص لا زينةً له. لا ازدحام في الصفحات، ولا افتعال في الألوان، بل هدوء بصري يسمح للقارئ أن يُنصت للكلمة، وأن يتنقّل بين المواد وكأنه يمشي في معرضٍ ثقافيٍّ مُضاء بعناية، يعرف أين يضع الضوء وأين يترك الظل.

وإذا كان من الطبيعي أن تظلّ لكل تجربة بشرية مساحات قابلة للتطوير والتحسين، فإن هذا العدد يثبت أن “سُرّى” تسير بخطى ثابتة وواثقة، وتعرف تماماً ما الذي تريد أن تضيفه في كل إصدار. إنه عدد لا يدّعي الاكتمال، لكنه يملك شجاعة النضج، ولا يتوقّف عند ما أنجزه، بل يلمّح بوضوح إلى أفقٍ أوسع قادم.

العدد الخامس عشر من “سُرّى الثقافية” ليس مجرد حلقة جديدة في سلسلة الأعداد، بل محطة تأمل، ونافذة مفتوحة على سؤال الثقافة في زمن اللهاث: ماذا يبقى حين يهدأ الضجيج؟ والإجابة، كما توحي بها صفحات هذا الإصدار، بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: تبقى الكلمة الصادقة، ويبقى النص الذي كُتب ليُقرأ بالقلب قبل العين، وتبقى المجلات التي تعرف أن القمّة ليست مكاناً نصل إليه مرة واحدة، بل مساراً نرتقيه عدداً بعد عدد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى