لماذا تبقى الأعمال الفنية القديمة حيّة في داخلنا؟

في ظل وفرة غير مسبوقة في الإنتاجات الدرامية الحديثة، يبرز سلوك لافت لدى شريحة واسعة من المشاهدين، يتمثل في العودة المتكررة إلى أعمال قديمة مثل: “ضيعة ضايعة” و”مرايا” و”باب الحارة” و”ليالي الحلمية” و”أرابيسك” و”نصف ربيع الآخر”، ومسرحيات عادل إمام مثل: “الزعيم” و”مدرسة المشاغبين” و”العيال كبرت” وغيرها الكثير، حيث تعاد مشاهدة هذه الأعمال مرة تلو الأخرى، في مقابل فتور ملحوظ في إعادة مشاهدة الأعمال الجديدة، هذا السلوك بحسب مختصين لا يرتبط بضعف المحتوى المعاصر، بقدر ما يعكس أبعادًا نفسية ودرامية أعمق.

في هذا السياق، المختص في علم النفس عاصم معايطة، إلى جانب الناقد الفني وسام كنعان، قراءة معمقة لهذه الظاهرة من زاويتين مختلفتين لكن متكاملتين، تعتمدان على الحالة النفسية، والإبداع الإنتاجي.

 

لماذا نعود لحضور الأعمال الفنية القديمة؟
يوضح المختص في علم النفس الدكتور عاصم معايطة، أن العودة إلى الأعمال الدرامية القديمة لا يمكن تفسيرها بنقص البدائل الحديثة، بل بوظيفة نفسية مختلفة تؤديها هذه الأعمال، ويشير إلى أن ما يُعرف بـ”النوستالجيا”، يتجاوز كونه مجرد استرجاع للذكريات، ليشكّل آلية نفسية تعيد للإنسان إحساسه بالمعنى والانتماء واستمرارية الذات، خصوصًا في أوقات الضغط أو التشتت، فالمسلسل القديم، وفق هذا الطرح، لا يُستهلك كمجرد حكاية، بل كوعاء للذاكرة يستحضر زمنًا سابقًا ونسخة مألوفة من الذات.

 

هل الحنين مرتبط بحالتنا النفسية؟
يؤكد الدكتور عاصم معايطة، أن العلاقة بين الحنين للماضي والحالة النفسية الحالية للمشاهد علاقة مركّبة؛ إذ تحمل “النوستالجيا” جانبًا مزدوجًا، فهي تمنح شعورًا بالدفء والراحة، لكنها قد تكون أيضًا انعكاسًا لحالة من النقص أو الضغط في الحاضر، فالمشاهد قد يلجأ إلى هذه الأعمال كوسيلة لتعويض شعور مؤقت بالوحدة أو انخفاض الرفاه النفسي، حتى وإن كانت تمنحه في الوقت نفسه نوعًا من الطمأنينة.

أما فيما يتعلق بالشعور بالأمان أثناء مشاهدة عمل معروف الأحداث، فيربطه معايطة بعامل “التنبؤ”، فالمحتوى الجديد يضع الدماغ في حالة ترقّب مستمرة؛ ما يتطلب جهدًا معرفيًّا وعاطفيًّا، في حين أن الأعمال المألوفة تقلّ فيها المفاجآت؛ ما يخفف هذا العبء ويمنح المشاهد تجربة أكثر استقرارًا نفسيًّا. ويؤكد أن العودة إلى عوالم درامية معروفة قد تساعد على استعادة الإحساس بالسيطرة، خصوصًا بعد فترات من الإرهاق، بل وقد تعمل أحيانًا كبديل اجتماعي رمزي يخفف الشعور بالوحدة.

لماذا يرتبط الناس بالشخصيات القديمة أكثر؟
في تفسيره لارتباط الجمهور بشخصيات الأعمال القديمة أكثر من الحديثة، يشير الدكتور عاصم معايطة إلى مفهوم العلاقات شبه الاجتماعية، حيث يطوّر المشاهد نوعًا من العلاقة النفسية مع شخصيات لا يعرفها فعليًّا، لكنها تصبح جزءًا من عالمه الداخلي.

ويرى أن الشخصيات القديمة ترسّخت بشكل أعمق لأنها ارتبطت بمراحل عمرية حساسة وبسياق اجتماعي أكثر هدوءًا، في حين أن نمط الاستهلاك السريع اليوم، وكثرة الخيارات، أسهما في تقليل عمق هذا الارتباط مع الشخصيات الحديثة.

ويخلص معايطة إلى أن التعلّق بهذه الأعمال لا يعود فقط إلى كون الماضي أجمل، بل إلى بحث الإنسان عن مشاعر يفتقدها في الحاضر، مثل: الأمان والانتماء والقدرة على التنبؤ. فالنوستالجيا، في جوهرها، لا تعيدنا إلى الماضي بقدر ما تعيدنا إلى ذواتنا في لحظات كانت فيها أقل إرهاقًا وأكثر اتزانًا.

سرّ نجاح الأعمال الدرامية القديمة برأي الناقد وسام كنعان
في المقابل، يقدّم الناقد السوري وسام كنعان مقاربة نقدية موسّعة لظاهرة عودة الجمهور إلى الأعمال الدرامية القديمة، معتبرًا أن المسألة لا تتعلق فقط بجودة العمل، بل ببنية كاملة من العناصر الفنية والإنتاجية والسياقية التي لم تعد متوفرة بالصيغة ذاتها اليوم.

ويؤكد كنعان أن الأعمال التي بقيت حيّة في ذاكرة الجمهور، مثل: “ضيعة ضايعة” و”مرايا” و “صبايا”، لم تحقق حضورها المستمر بالصدفة، بل لأنها صُنعت بعقلية تنتمي بعمق إلى زمانها ومكانها، إذ كانت تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي للمرحلة بصدق، وتقدّمه بلغة فنية قريبة من الناس، هذا الانسجام بين العمل وبيئته بحسب وصفه، أتاح لهذه الأعمال أن تجد “مساحتها الطبيعية للنجاح”، وأن تتحول مع الوقت إلى مادة قابلة لإعادة الاكتشاف في كل مشاهدة.

ولا يفصل كنعان هذا النجاح عن طبيعة العملية الإنتاجية ذاتها، مشددًا على أن تلك الأعمال وُلدت من “روح فريق” حقيقية، حيث كان هناك انسجام واضح بين الكتّاب والممثلين والمخرجين، يجمعهم هدف فني مشترك يتمثل في تقديم مادة تحمل قيمة، لا مجرد تحقيق نِسب مشاهدة.

هذا التضافر، إلى جانب وجود همّ فني واضح، أتاح إنتاج أعمال تراعي الذائقة الجماهيرية دون أن تتنازل عن مستواها الفكري أو النقدي، بل وتفتح مساحة لمقاربة قضايا حساسة ومعقّدة ضمن قالب كوميدي أو درامي يبدو بسيطًا، لكنه في جوهره عميق ومحمّل بالدلالات.

كيف تتحول الأعمال إلى ذاكرة حية؟
يضرب الناقد وسام كنعان مثالًا واضحًا على ذلك، في مسلسل “ضيعة ضايعة”، الذي قدّم شخصيات كاريكاتورية ضمن بيئة ريفية، مستخدمًا أسلوب “السهل الممتنع” لطرح قضايا تتعلق بالفساد، والحريات، والتعقيدات الاجتماعية، دون مباشرة أو افتعال. وكذلك الحال في “مرايا”، الذي استند فيها الفنان ياسر العظمة إلى تقاليد مسرحية عريقة، ونجح في تسليط الضوء على جوانب معتمة من حياة الناس من خلال لوحات نقدية ذكية ومتنوعة، بمشاركة عدد كبير من الكتّاب والممثلين؛ ما أغنى التجربة ووسّع أفقها.

ويشير كنعان إلى أن هذه الأعمال لم تكن تلهث خلف “اللحظة”، بل كانت تُصنع برويّة، وتأخذ وقتها الكافي في الكتابة والتصوير والمعالجة، وهو ما منحها عمقًا واستمرارية. لذلك، لم تبقَ مجرد أعمال تُعرض وتنتهي، بل تحوّلت إلى “ذاكرة درامية” طويلة الأمد، قادرة على استعادة جمهورها في كل مرة تُعرض فيها.

الترند.. نجاح سريع ونسيان أسرع
في المقابل، ينتقد كنعان بشدة واقع جزء كبير من الدراما الحديثة، معتبرًا أنها وقعت في فخ “الترند”، حيث باتت العديد من الأعمال تُنتج بهدف تحقيق انتشار سريع، قائم على الإثارة أو الاستهلاك اللحظي، دون بناء حقيقي على مستوى النص أو الشخصيات، ويصف هذا التوجّه بأنه سعي وراء “جماهيرية طارئة”، لا تعيش أكثر من فترة العرض، سرعان ما يطويها النسيان.

ويضيف أن المشكلة لا تكمن فقط في المحتوى، بل أيضًا في تغيّر “منظومة التلقي” لدى الجمهور، حيث لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تسريع إيقاع المشاهدة والاستهلاك. فالمتلقي اليوم، وفق تعبيره، “يتلقى بسرعة وينسى بسرعة”، نتيجة التدفق الهائل للمحتوى؛ ما أفقد التجربة الدرامية جزءًا كبيرًا من عمقها العاطفي والحميمي.

كيف تغيّر سلوك المشاهد اليوم؟
يستعيد كنعان مقارنة لافتة بين الماضي والحاضر، موضحًا أن التفاعل مع الأعمال سابقًا كان أكثر بطئًا وصدقًا، يشبه إلى حدّ ما قراءة رسالة مكتوبة بخط اليد، تحمل تفاصيل شخصية وإنسانية، بينما باتت التجربة اليوم أقرب إلى رسائل إلكترونية سريعة ومتشابهة، تفتقر للخصوصية والحميمية. هذا التحوّل، برأيه، انعكس بشكل مباشر على علاقة المشاهد بالشخصيات، التي لم تعد قادرة على خلق ذلك الارتباط العاطفي العميق كما في السابق.

كما يلفت النظر إلى أن تغيّر أسلوب الحياة عمومًا، والتسارع الكبير في كل مفاصلها، إلى جانب هيمنة المنصات الرقمية، أسهم في تحويل الدراما إلى مادة “معلّبة” وسريعة الاستهلاك؛ ما أثّر في جودة الصناعة نفسها، التي لم تعد تمنح الوقت الكافي لتطوير النصوص أو بناء الشخصيات بشكل مدروس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى