التساهل مع المعتدين على الكاهن… القضاء في جبل لبنان أمام سقوط خطير

 

في حادثة وُصفت بـ”الخطيرة والمستغربة”، أثار قرار النيابة العامة في جبل لبنان بإخلاء سبيل عدد من الأشخاص المتهمين بالاعتداء على كاهن رعية مار يوسف – الجديدة مساء السبت، بعد ساعات قليلة من توقيفهم، موجة انتقادات واسعة، وسط تساؤلات جدية حول خلفيات هذا الإجراء وتداعياته، لا سيما في ظل حساسية الحادثة وانعكاساتها الخطيرة على السلم الأهلي.

فالمشهد لم يكن إشكالاً عابراً. فقد شهدت منطقة رأس الرويسات في الجديدة – المتن حادثة متصاعدة بدأت على خلفية ركن سيارة بين مجموعة من الشبان وشرطي في البلدية، قبل أن تتحول سريعاً إلى اعتداء عنيف على الشرطي. ومع تدخل كاهن الرعية لفض النزاع، تعرّض بدوره لاعتداء جسدي مباشر أمام حرم الكنيسة، في سلوك صادم تجاوز كل الخطوط الحمراء.

الأخطر، وبحسب المعطيات، أن الاعتداء لم يقتصر على العنف الجسدي، بل تخلله إطلاق شتائم ذات طابع طائفي استهدفت الصليب والمقدسات المسيحية، إلى جانب نعوت تخوينية وصلت إلى حد اتهام الحاضرين من أبناء الطائفة المسيحية بالعمالة لإسرائيل، في مشهد يعكس خطاباً تحريضياً خطيراً ويمسّ بكرامة طائفة بكاملها ورموزها الدينية.

وتطور الإشكال إلى تدافع مقابل الكنيسة، ما استدعى تدخّل الأهالي، وكاد أن ينزلق إلى مواجهة مفتوحة بين الأحياء المسيحية والحي الشيعي، لولا تدخل القوى الأمنية التي عملت على الفصل بين الطرفين ومنع تفاقم الوضع. كما سُجّل استنفار سياسي وشعبي لافت زاد من خطورة المشهد في منطقة حساسة.

لكن، ورغم خطورة ما جرى بكل أبعاده الأمنية والطائفية، جاء قرار النيابة العامة في جبل لبنان بإخلاء سبيل الموقوفين خلال ساعات، ليشكّل صدمة إضافية، ويضع أداء القضاء في دائرة الاتهام المباشر.

فهل كانت النيابة العامة، برئاسة القاضي سامي صادر، على دراية كاملة بخطورة هذا الملف عند اتخاذ القرار؟ وإذا كان الجواب نعم، فالمشكلة في تقدير حجم الاعتداء وتداعياته. أما إذا كانت إشارة إخلاء السبيل قد أُعطيت من دون علمه، فالمشكلة أكبر، لأنها تعني خللاً بنيوياً خطيراً في آلية اتخاذ القرار داخل النيابة العامة، خصوصاً في ملفات تمسّ السلم الأهلي.

ويرى متابعون أن ما جرى لا يمكن فصله عن نمط مقلق في الأداء، حيث يُسجّل تكرار في قرارات تُفسَّر على أنها تهاون في ملفات حساسة، ما يطرح علامات استفهام جدية حول معايير تطبيق القانون، ويضرب مبدأ المساواة أمام العدالة.

ويحذّر هؤلاء من أن الإفراج السريع عن متهمين بالاعتداء على رجل دين، وإهانة الرموز الدينية المسيحية، وإطلاق خطاب تخويني بحق أبناء طائفة، يشكّل سابقة خطيرة، لا تمسّ فقط هيبة القضاء، بل تهدد الاستقرار المجتمعي، وتفتح الباب أمام تكرار مثل هذه الحوادث في ظل غياب الردع.

وفي ضوء ذلك، ترتفع الدعوات إلى وزارة العدل لفتح تحقيق عاجل في ملابسات ما حصل، ومراجعة أداء النيابة العامة في جبل لبنان، لضمان عدم التهاون في قضايا تمسّ الكرامات الدينية والسلم الأهلي، وإعادة الثقة بقضاء يُفترض أن يكون صمام أمان لا موضع شك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى