
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه الضغوطات اليومية، بات الإنسان يواجه تحديات نفسية متزايدة تؤثر على توازنه الداخلي وجودة حياته. ومع انتشار القلق، وفقدان الحافز، والمقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تبرز أهمية الوعي الذاتي والقدرة على إدارة المشاعر والأفكار بطريقة صحية.
في هذا الإطار، تلعب مدرّبة الحياة ماريا سلامة دوراً مهماً في مرافقة الأفراد نحو استعادة توازنهم النفسي وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، من خلال خطوات عملية وبسيطة قابلة للتطبيق في الحياة اليومية.
وانطلاقاً من هذه القضايا، كان لنا معها هذا الحوار:
– في ظلّ الضغوطات اليومية وتسارع نمط الحياة، يشعر كثير من الناس بالتعب النفسي وفقدان الحافز. برأيك، ما الخطوات البسيطة التي يمكن أن تساعد الإنسان على استعادة توازنه الداخلي؟
بعد كل ما مررنا به، فقدَ كثير من الناس قدرتهم على التركيز والإيجابية. لذلك، من المهم العودة إلى خطوات بسيطة تعيد التوازن إلى حياتنا اليومية. أولاً، من الضروري تحديد المهام اليومية وترتيبها بحسب الأولوية، مما يساعد على فهم نوع الضغط الذي نعيشه والتخفيف من التشتت عبر الاستغناء عن المهام غير الضرورية. ثانياً، لا يمكن تجاهل أثر الهاتف المحمول، الذي بات سبباً رئيسياً لأكثر من 90% من التوتر اليومي، لذلك من المفيد تخصيص وقت يومي—لو كان قصيراً—بعيداً عنه، لقضائه مع العائلة أو لمشاهدة فيلم أو للاسترخاء. ثالثاً، اختيار الأشخاص الذين يمنحوننا طاقة إيجابية والابتعاد عن السلبيين يساهم بشكل كبير في تحسين حالتنا النفسية. رابعاً، إعطاء معنى للوقت من خلال وضع أهداف صغيرة وقابلة للتحقيق، ما يعزز الشعور بالإنجاز والرضا الذاتي.وأخيراً، الامتنان يومياً، ولو على أبسط النعم، تساعد في تغيير نظرتنا للحياة وتعزيز الإيجابية.
– كثيرون يعيشون صراعاً بين ما يريدونه وما يفرضه المجتمع أو تدخّل الآخرين. كيف يمكن للإنسان أن يميّز صوته الداخلي ويضع حدوداً صحية في علاقاته؟
يبدأ التمييز من التأنّي وعدم إعطاء ردود سريعة، بل أخذ الوقت الكافي للتفكير وموازنة الإيجابيات والسلبيات قبل اتخاذ أي قرار. كما أن التجارب الحياتية، حتى تلك التي تبدو فاشلة، تساهم في صقل هذا الصوت الداخلي، إذ نتعلم منها وننهض من جديد. ومن المهم أن يسأل الإنسان نفسه: هل أتصرف بدافع قناعتي أم لإرضاء الآخرين؟ أما في ما يتعلق بالحدود، فمن الأساسي تعلّم قول “لا” دون الشعور بالذنب، وعدم تبرير المواقف دائماً. كما يجب التعبير عن الرأي حتى لو كان مختلفاً، والتقبّل بأن هذا الاختلاف طبيعي. ووضع الحدود لا يعني الابتعاد عن الناس، بل هو وسيلة لحماية الذات والحفاظ على علاقات صحية ومتوازنة دون استنزاف نفسي.
– نلاحظ اليوم انتشار القلق والتفكير الزائد بالمستقبل. كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع هذا القلق ويحافظ على هدوئه النفسي؟
الخطوة الأولى هي فهم القلق وتحديد أسبابه، سواء كان ناتجاً عن انعدام الثقة، أو تجارب سابقة، أو خوف من المستقبل. بعد ذلك، من المهم التمييز بين ما يمكن التحكم به وما لا يمكن تغييره. فإذا كان الأمر خارج السيطرة، فإن التفكير المستمر لن يكون حلاًّ.
كما يمكن تخصيص وقت محدد للتفكير بدلاً من ترك العقل منشغلاً طوال اليوم، مما يساعد على تنظيم الأفكار.
ومن التقنيات المفيدة أيضاً التركيز على الحاضر، مثل تسمية ثلاثة أشياء نراها أو نقوم بها، للحد من التشتت الذهني. إضافة إلى ذلك، من المهم مواجهة المخاوف بواقعية عبر التساؤل: ما احتمال حدوث هذا الأمر؟ وإن حدث، كيف يمكنني التعامل معه؟ فالهدوء النفسي لا يأتي من معرفة المستقبل، بل من الثقة بقدرتنا على التعامل مع ما قد يحدث.
– مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمقارنة الدائمة بالآخرين، يشعر كثير من الناس بعدم الرضا عن حياتهم. كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ثقته بنفسه وتقديره لذاته؟
من الضروري أولاً إدراك أن الصورة التي نراها على وسائل التواصل الاجتماعي ليست كاملة، بل هي جزء منتقى من حياة الآخرين. كما يجب الانتباه إلى الأشخاص أو الحسابات التي تؤثر سلباً على مشاعرنا، وعدم التردّد في إلغاء متابعتها أو كتمها، فهذا ليس ضعفاً بل وعي وحماية للذات. ومن المهم التركيز على ما نملكه من صفات وإنجازات، مثل الأخلاق، الالتزام، الصمود، وطريقة التعامل مع التحديات. فالمقارنة المستمرة تؤدي إلى الإحباط والشعور بالفشل، بينما التركيز على مسارنا الشخصي يعزز الثقة بالنفس ويمنحنا دافعاً للاستمرار والتطوّر.
وللمزيد من النصائح والإرشادات القيّمة، يمكنكم متابعة المدرّبة ماريا سلامة عبر حساباتها على إنستغرام “mariaicfcoach” والتيك توك: @coach.maria55



