المرأة القطرية “من رفاهية الحياة إلى شغف الزراعة!”

الإعلامية ماري – راغدة الحلبي

لم نكن نتوقع يوماً أن تتحول المرأة القطرية، التي تعيش حياة الرفاهية، إلى امرأة تُحوّل حديقة بيتها إلى أرضٍ منتجة، وتُطعم عائلتها من محاصيل زرعتها بيديها.

غير أن هذا المشهد بات واقعاً اليوم، مع بروز مجموعة من النساء القطريات اللواتي اتجهن إلى الزراعة المنزلية، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في نمط الحياة، وتحدياً واضحاً للصورة النمطية السائدة.

لنتعرف على مبادرة “غرسة للزراعة المنزلية” والتي أطلقت هذا التوجه الزراعي، التقينا بإحدى أعضاء المبادرة السيدة إيمان عبدالعزيز آل إسحاق، وهي أيضا مستشارة إدارية في وزارة العمل، كاتبة في جريدة العرب وناشطة في مجال المسؤولية المجتمعية، فقالت:

مبادرة “غرسة للزراعة المنزلية”هي مبادرة قطرية انطلقت بأيادٍ نسائية عام 2018 كهواية بسيطة، حيث كان لدينا شغف بالزراعة في منازلنا، واستثمار المساحات المتاحة لدينا لزراعة أرضنا .

ومع مرور الوقت، تعمّق هذا الشغف وازداد حبنا للزراعة وأصبحت علاقتنا بالأرض أقوى، خصوصا، عندما كنا نقطف ثمار ما زرعناه بأيدينا ونضعه على موائدنا، كان لها طعم مختلف!! لأنه نابع من جهدنا ومن أرضنا.

مشاركة سيدات قطريات

سبحان الله، فعلاً الحب يُثمر خيراً. فقد نمت المبادرة تدريجياً، وانضم إليها عدد من السيدات القطريات القديرات، من ربات المنازل، والمتقاعدات، والعاملات، كما تقود المبادرة الدكتورة مريم الدوسري وهي أيضا امرأة عاملة، وقد استطاعت أن توحّد جهودنا وتحوّلنا إلى خلية نحل نشيطة في الحقل، يسعى كل فرد فيها للتعلم والإبداع.

تنظيم ملتقى سنوي

بعدها أصبح لدينا ملتقى سنوي نجتمع فيه لنحتفي بإنجازاتنا ونستعرض حصاد ثمار جهدنا. إضافة إلى العديد من الأنشطة والمبادرات التي نقوم بها على مدار العام.

ولم تتوقف مبادرة غرسة عند هذا الحد، بل خطت خطوة نوعية في عام 2026 من خلال زراعة القمح غير المعدّل وراثياً، في تجربة تهدف إلى تعزيز الصحة واكتشاف إمكانيات البيئة القطرية.

ورغم صغر المساحة، حيث لم تتجاوز متراً واحداً بمتر، جاءت النتائج لافتة، إذ تراوح إنتاج كل مشاركة بين كيلوغرامين إلى ثلاثة كيلوغرامات، فيما وصل لدى البعض إلى خمسة كيلوغرامات. بعدها

نظمنا ملتقى للسيدات واستخدمنا هذا القمح في إعداد المخبوزات والمشروبات، في مشهد يعكس مفهوم الاكتفاء الذاتي من الأرض إلى المائدة.

نطمح للعالمية

وتسعى القائمات على المبادرة اليوم إلى تحويل “غرسة” إلى منظمة غير ربحية، مع طموح للوصول إلى العالمية، وتقديم نموذج ملهم في الاستدامة والعمل المجتمعي.

وعن نظرة المجتمع الدولي إلى المرأة القطرية بأنها تهتم فقط بحياة الرفاهية، وأنها بعيدة كل البعد عن مجال الزراعة، تقول السيدة إيمان: أن الصورة النمطية التي تُختزل فيها المرأة القطرية على أنها تهتم فقط بالرفاهية والموضة، هي صراحة نظرة سطحية. فالمجتمع القطري في حقيقته يشهد تحولاً فكرياً كبيراً، خصوصا، وأن سمو الشيخة موزه بنت ناصر قد علمتنا الكثير ورسخت فينا فكرة أننا بالعلم نستطيع أن نصل إلى العالمية، وأن الزراعة جزء أساسي من أجل الحفاظ على بيئتنا وهي أيضا جزء من رؤيتنا الوطنية.

وأشارت إلى أن قطر قد مرت بعدة أزمات، ومن هنا انطلقت مبادرة غرسة لمواجهة الظروف والتحديات المختلفة، مما جعلها تتحول من فكرة بسيطة إلى مشروع متكامل يعكس وعي المرأة وقدرتها على الإنتاج.

من النفور إلى الشغف

ولفتت السيدة إسحاق إلى أن بعض الأشخاص لا يحبون أن يزرعوا لأن هذا العمل مرتبط فيه وجود الحشرات والطين، إلا أن التجربة أثبتت أن هذا العمل يمنح شعوراً مختلفاً تماماً، فالإنسان خُلق من طين ومجرد أن يضع يده أو قدمه فيه سيشعر بالإنتماء وبحب وشغف غير طبيعي بحيث يتحول التفاعل مع الأرض إلى مصدر طاقة وإلهام..

وأكدت أن انطلاقة المبادرة كانت بسيطة جداً، لكنها اليوم وصلت إلى مستوى متقدم من الإنتاجية والإبداع، وأن هنالك أعداد كبيرة من النساء المشاركات يشعرن بالغيرة من بعضهن، وهذا الأمر يحفز للمزيد من العمل الزراعي من أجل التفوق على بعضهن.

الزراعة شفاء

واختتمت السيدة إيمان حديثها مشيرة إلى الأثر الشخصي للتجربة، موضحة أن الزراعة ساهمت في تشافيها من مشكلة صحية كانت تعاني منها، بل ومنحتها معرفة أوسع بمجال الأعشاب الطبيعية والشاي والديتوكس، حتى أصبحت تُعرف بين صديقاتها كخبيرة في هذا المجال.

وأخيرا ، نستنتج من هذا اللقاء، أن مبادرة “غرسة” ليست مجرد مشروع زراعي، بل تجربة إنسانية واجتماعية تعكس قدرة المرأة القطرية على الإبداع والإنجاز في مجالات متعددة.

الإعلامية ماري – راغدة الحلبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى