“السعفة الذهبية”.. 71 عاماً من صناعة المجد والجدل

تتجه أنظار العالم حاليًّا صوب فعاليات مهرجان كان السينمائي، حيث أهم الجوائز الدولية التي يخطف بريقها العيون ويداعب القلوب والخيال، وهي جائزة “السعفة الذهبية” التي أصبحت أيقونة عالمية تحتفي بالإبداع الأصيل، وتوثق لأعمال حفرت مجراها عميقًا في وجدان الجماهير.

قبل أن تولد السعفة الذهبية، كان المهرجان يمنح الفائزين مكافأة تحمل اسم “الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي للفيلم”، لكن  إدارة المهرجان، قررت عام 1955 ابتكار جائزة أكثر فرادة وجمالًا، مستلهمة فكرتها من شعار مدينة كان الفرنسية الذي تزينه سعفة نخلة. 

 

وحظي المخرج ديلبرت مان بشرف نيل تلك السعفة للمرة الأولى عن فيلمه “مارتي”، لتصبح الجائزة بعد ذلك الحلم الوردي لصناع السينما وأصحاب الإنتاجات الفنية الطموحة.

 

لم تكن مسيرة الجائزة الوليدة خالية من المنعطفات، إذ شهدت بعض الانقطاعات والتغييرات؛ ففي الفترة الممتدة بين عامي 1964 و1974، تراجع المهرجان مؤقتًا عن تسميتها ليعود إلى استخدام لقب “الجائزة الكبرى”.

لكن هذا الغياب لم يدم طويلًا، إذ أعادت إدارة المهرجان تثبيت السعفة الذهبية رسميًّا في عام 1975، لتستقر منذ ذلك الحين كقلب نابض للحدث السينمائي الأبرز، تصبح الرمز الأكثر تلاحمًا مع هويته واسمه.

لم تنل الجائزة مظهرها الفاخر الحالي دفعة واحدة، بل تأنقت عبر العقود وتطورت مواد صياغتها وشكلها الفني مرارًا، حتى جاء التحول الأبرز عام 1998.

في ذلك العام، تولت دار “شوبارد” العريقة إعادة تصميم السعفة بالكامل، فصاغتها من الذهب الخالص عيار 18 قيراطًا، وجعلتها ترتكز على قاعدة مخروطة يدويًّا من الكريستال النقي، لتصبح هذه التحفة الفنية هي الصورة الرسمية للجائزة.

شهدت منصة “كان” قفزات تاريخية غيَّرت وجه السينما بفضل هذه الجائزة، فقد حقق المخرج كوينتن تارانتينو انفجاره الإبداعي عالميًّا بعد نيله السعفة عام 1994 عن فيلمه الشهير “خيال رخيص”.

وفي عام 2019، انتزعها المخرج بونغ جون بفيلمه “طُفيلي”، قبل أن يواصل الفيلم زحفه نحو جوائز الأوسكار، مدونًا اسمه كأول عمل غير ناطق بالإنجليزية ينال جائزة أفضل فيلم.

ودخلت المخرجة جين كامبيون على خط صناعة التاريخ عام 1993 كأول امرأة تتوج بالسعفة الذهبية عن فيلمها “البيانو”، في لحظة فارقة داخل حقل إبداعي ظلَّ حكرًا على الرجال لعقود.

في المقابل، يحمل تاريخ الجائزة الرفيعة غيابًا لعدد من عباقرة فن السينما؛ ما فجَّر فصولًا من الجدل، إذ خلت سجلات الفوز من قامات شاهقة من طراز ستانلي كوبريك، وألفريد هتشكوك، وإنغمار برغمان، رغم بصماتهم الخالدة التي شكلت وجدان هذا الفن.

ومع حلول حقبة الستينيات من القرن الفائت، تبدل المنظور، فلم تعد السعفة مجرد مكافأة تحتفي بالجماليات البصرية الخالصة، بل تحوَّلت تدريجيًّا إلى مرآة حية تعكس التحولات السياسية والثقافية التي تعصف بالعالم المعاصر.

وتجلى ذلك في فيلم “سائق التاكسي” للمخرج مارتن سكورسيزي الذي جسّد ببراعة ملامح أمريكا التي تعاني صدمة ما بعد حرب فيتنام، في حين عمل فيلم “الريح التي تهز الشعير” للمخرج كين لوتش على تفكيك تعقيدات حرب الاستقلال الأيرلندية برؤية مغايرة.

وتبلور هذا التوجه أكثر عبر أعمال مثل “تيتان” للمخرجة جوليا دوكورناو و”أنورا” للمخرج شون بيكر، وهي تجارب كرست حضورًا سينمائيًّا أكثر جرأة، يستهدف تسليط الضوء على الهوامش الاجتماعية المنسية والتحولات الثقافية المتسارعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى