
كتب جمال فياض
خلال الأيام الماضية، انتشر على مواقع التواصل شريط فيديو قيل إنه يعود إلى عام 1961 لمغنية فرنسية مزعومة تُدعى “لينا مارسو”، تؤدي أغنية بلحن قيل إنه الأصل الذي اقتبس منه الموسيقار محمد عبد الوهاب لحن أغنية «دارت الأيام» التي غنّتها أم كلثوم لاحقاً بسنوات.
الفيديو بدا للوهلة الأولى مقنعاً للبعض، لأنه صُمم بذكاء ليبدو كأنه تسجيل أرشيفي قديم بالأبيض والأسود، مع إضافة تشويش وضبابية واهتزازات متعمدة على الصورة توحي بأن التسجيل يعود فعلاً إلى ستينيات القرن الماضي. كما استُخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد صوت نسائي قريب من الطابع الفرنسي القديم، في محاولة لصناعة “دليل مزيف” على أن اللحن مسروق من أغنية فرنسية مجهولة.
لكن البحث البسيط كشف سريعاً أن لا وجود أصلاً لمغنية فرنسية بهذا الاسم في تاريخ الغناء الفرنسي، ولا وجود لأي تسجيل موثّق لهذه الأغنية، ولا لأي أرشيف أو شركة إنتاج أو حفلة أو مقابلة أو صورة مرتبطة بهذه الشخصية المزعومة. أي أن القصة بالكامل مفبركة ومصنوعة عبر الذكاء الاصطناعي.
غير أن من قام بالتزوير ارتكب خطأ قاتلاً فضح جهله الموسيقي بالكامل، لأنه انتبه إلى الصورة والشكل والإخراج، ونسِي الجوهر الحقيقي للموسيقى العربية: الربع تون والمقامات الشرقية.
وهنا تحديداً يبدأ الفهم الحقيقي للقضية.
من يستمع بوعي موسيقي حقيقي إلى مقطع «وصفولي الصبر» من رائعة «دارت الأيام» يدرك فوراً أن الحديث عن “سرقة” هذا اللحن من أغنية فرنسية ليس مجرد ادعاء ضعيف، بل سذاجة موسيقية تكشف جهلاً مطلقاً بمفهوم المقامات الشرقية وطبيعة التكوين اللحني العربي.
المشكلة أن بعض مروّجي هذه الشائعة يتعاملون مع الموسيقى وكأنها مجرد تشابه سطحي بين جمل لحنية، بينما يتجاهلون العنصر الأهم: البنية المقامية نفسها. وهنا تحديداً يسقط الادعاء بالكامل.
هذا المقطع الذي لحّنه محمد عبد الوهاب قائم أساساً على روح مقامية شرقية تعتمد على أرباع الأصوات، وخصوصاً على تلوينات قريبة من السيكاه وراحة الأرواح والهزام، وهي مقامات لا تنتمي إلى النظام اللحني الغربي التقليدي أصلاً.
الموسيقى الفرنسية الكلاسيكية والشعبية الحديثة مبنية بمعظمها على السلم الغربي ذي الإثني عشر نصف صوت الثابتة، أي دون أرباع تون بالشكل التعبيري الموجود في الموسيقى العربية. لذلك فإن الجملة التي تغنيها أم كلثوم في «وصفولي الصبر» ليست مجرد تسلسل نغمي يمكن نسخه بسهولة، بل حالة شرقية كاملة قائمة على انحناءات صوتية دقيقة جداً، وعلى درجات لا وجود فعلياً لها في الأداء الغربي التقليدي.
وهنا تحديداً تنكشف الثغرة الكبرى في رواية “السرقة”.
فمن فبرك المقارنة بين اللحن العربي والأغنية الفرنسية ركّز على تشابه وهمي في بضعة نغمات سطحية، لكنه لم ينتبه إلى أن الجملة العربية نفسها تحتوي على أرباع أصوات وانزلاقات مقامية يستحيل أن تكون منقولة حرفياً من أغنية فرنسية تقليدية. بمعنى آخر: المزوّر كشف نفسه بنفسه، لأنه قارن بين نظامين موسيقيين مختلفين جذرياً دون أن يدرك الفارق البنيوي بينهما.
بل أكثر من ذلك، فإن أداء أم كلثوم نفسه يفضح هذا الادعاء. فهي لا تؤدي النغمة كقيمة ثابتة كما يحدث غالباً في الغناء الغربي، بل “تعجن” الدرجة الصوتية وتلوّنها بمساحات دقيقة بين النغمات. وهذا النوع من الأداء مرتبط بثقافة المقام الشرقي وبالطرب العربي، وليس مجرد لحن مكتوب على ورقة نوتة.
ولو كان اللحن مقتبساً فعلاً من أغنية فرنسية، لكان على الملحن الغربي الأصلي أن يكون قد ألّف أساساً ضمن نظام ميكروتوني شرقي معقّد، وأن يكون مطلعاً بعمق على مقامات السيكاه والهزام وراحة الأرواح، وهو أمر شبه مستبعد تماماً ضمن سياق الأغنية الفرنسية التجارية أو الكلاسيكية المعروفة في تلك المرحلة.
الحقيقة أن هذا النوع من الشائعات ينتشر لأن كثيرين يسمعون الموسيقى بأذن عابرة لا بأذن تحليلية. أما التدقيق المقامي والتقني، فيكشف سريعاً أن «وصفولي الصبر» تنتمي روحاً وبناءً وأداءً إلى المدرسة الشرقية الخالصة، وأن محاولة إلصاقها بلحن فرنسي ليست سوى فبركة انهارت عند أول اختبار موسيقي حقيقي.



