
في احتفال شعبي وعسكري مهيب، جمع أبناء بلدتي الباروك والفريديس مع شخصيات سياسية وأمنية ودينية من مختلف الأطياف، أزاحت قيادة الجيش اللبناني وبلدية الباروك-الفريديس الستارَ عن تمثال الشهيد الرقيب شوقي فرحان محمود، ابن فوج المغاوير الذي ارتقى قبل تسعة عشر عاماً في معارك نهر البارد.
أُقيم الحفل في ساحة مركز الباروك الصحي الحكومي وسط حضور جماهيري واسع، وتميّز بمشاركة ممثلين عن أحزاب وتيارات سياسية متعددة، وقادة القوى الأمنية ورجال الدين من مختلف الطوائف، في مشهد عكس الوحدة الوطنية التي جسّدها الشهيد بتضحيته.
رئيس البلدية: أنا ابن عسكري وعشتُ هذه المبادئ
برزت كلمة رئيس بلدية الباروك-الفريديس الدكتور فادي سلمان محمود بوصفها المحطة الأكثر تأثيراً وعمقاً في الاحتفال، إذ لم تكن مجرد خطاب رسمي بل شهادة شخصية نابعة من تجربة حية. فالدكتور محمود، ابن عسكري في الجيش اللبناني، استهلّ كلمته أمام الحشد الكبير بالتأكيد على أن البلدة تتقاطع مع المؤسسة العسكرية في “كل مبادئها وأخلاقياتها وأهدافها”، قائلاً: “أنا كابن عسكري بالجيش اللبناني بعرف هالمبادئ كلها، عشتها، بتنفسها وتربيت عليها.”
وكشف رئيس البلدية عن تفاصيل إنسانية مؤثرة في علاقته بالشهيد وعائلته، مروياً كيف شيّع شوقي محمود ثلاث مرات في وجدانه: الأولى حين علم باستشهاده وهو خارج البلاد فلم يتمكن من حضور تشييعه، والثانية حين زار والده الشيخ فرحان محمود ليستأذنه تأجيل فرح عائلي احتراماً لذكرى ابنه، والثالثة حين سمع من الضابط المسؤول عن مجموعة شوقي رواية استشهاده، فعلم أنه “بطل استشهد ليخلّص رفاقه.”
ولم يكتفِ الدكتور محمود بالكلام العاطفي، بل قدّم أمام الحضور حصاداً ملموساً لعمل البلدية خلال سنوات، موجهاً حديثه مباشرةً إلى روح الشهيد: “يا شوقي، اتطمن على الباروك والفريديس. قدرنا نحافظ على الطبيعة، وما حدا قدر يشيل حبة رمل أو صخرة أو يقطع جذع من شجرة. قدرنا نحافظ على أمنها، واحتضنا آلاف النازحين من كل لبنان بكل محبة.”
وأشار إلى أن البلدية باتت تعمل وفق آليات ومعايير واضحة، وأن البلدة “صارت نظيفة متل ما بيستاهلو أهلها”، معلناً أن مشاريع إنمائية وبنى تحتية قادمة ستُبقي الشباب في بيئتهم.
وختم رئيس البلدية كلمته بعبارة جمعت الحزن والاعتزاز معاً: “يا شوقي، يا خيي ويا حبيب قلبي، يا مثل الشجاعة والعنفوان، نحنا منبكيك كل يوم، لأنك بتمثل كل إنسان شريف استشهد في سبيل وطن وفي سبيل قضية سامية.”
ممثل قائد الجيش: قاتل حتى الرمق الأخير ليمنع يد الإرهاب
حمل العميد الركن جهاد مرعي، ممثلاً قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، كلمةً عسكرية رسمية جاءت وفيّةً لروح الشهيد ومعبّرةً عن موقف المؤسسة العسكرية من تضحيات أبنائها. وأكد مرعي أن الاحتفال هو “بادرة وفاء وعرفان لأحد أبطال الجيش الشجعان والأشداء”، مشيراً إلى أن الشهيد محمود ارتقى في مواجهة “تنظيم إرهابي خلال معركة نهر البارد” التي شكّلت منعطفاً في تاريخ الدولة اللبنانية.ولم يكتفِ العميد مرعي بالوصف العام، بل رسم صورة واضحة لشخصية الشهيد الميدانية، إذ أكد أنه “تميّز بالاندفاع في ساحة الكرامة والواجب، التزاماً بقيم الذود عن لبنان، ليبقى علم الوطن عالياً خفاقاً.” وأضاف أن شوقي محمود “قاتل حتى الرمق الأخير ليمنع يد الإرهاب من المسّ بأهله اللبنانيين”، في إشارة مباشرة إلى بطولته الفردية داخل المعركة.وأبدى ممثل قائد الجيش ارتياحاً بالغاً لمبادرة إقامة النصب، مؤكداً أنه “سيصبح معلماً لهذه المنطقة التي ارتبطت دوماً بالمؤسسة العسكرية وقدّمت خيرة أبنائها للوطن”، في رسالة واضحة مفادها أن الجيش لا ينسى شهداءه ويعتزّ بكل بلدة أنجبت أبطالاً.
وتحدّث عريف الحفل المحامي وئام محمود عن دلالة النصب بوصفه “رسالةً للأجيال القادمة”، مستحضراً عبارة شاعر البلدة رشيد بك نخلة: “سهلنا والجبل منبتٌ للرجال.”
كما أُعطيت الكلمة لعائلة الشهيد ولرابطة قدماء القوى المسلحة اللبنانية، قبل أن يُختتم الاحتفال بتسليم دروع الشكر والتقدير وإزاحة الستار رسمياً عن التمثال الذي نحت بأنامل الفنان رامي حسيكي وسط أجواء من التأثر والاعتزاز.
يُذكر أن ذوي الشهيد ظلوا يطالبون بتشييد هذا النصب على مدى تسعة عشر عاماً، حتى تحقّق حلمهم بوفاء من أبناء المنطقة ومؤسستها العسكرية.






