نجوى مراد.. بوصلة لبنان على خريطة الـ”بيكل بول” العالميّة

بقلم سيندي أبو طايع

في بلدٍ ما زالت فيه الرياضة اللبنانيّة تقاتل للبقاء وسط الأزمات المتلاحقة، تبرز بين الحين والآخر شخصيات تنجح في صناعة الضوء بعيداً عن الضجيج والشعارات والاستعراضات الإعلاميّة. شخصيّات تعمل بصمت، لكن أثرها يظهر بوضوح في النتائج والأهداف، وفي الشغف الذي تزرعه، وفي المساحات الجديدة التي تفتحها أمام الرياضة اللبنانيّة. ومن بين هذه الأسماء، تفرض نجوى مراد نفسها كواحدة من أكثر الشخصيّات الرياضيّة تميّزاً في

السنوات الأخيرة.

فهي ليست مجرّد رئيسة لاتحاد الـ”بيكل بول” في لبنان، ولا مجرّد مدرّبة للمنتخب اللبنانيّ، بل هي حالة رياضيّة متكاملة جمعت بين الإدارة والشغف والعمل الميداني والرؤية المستقبلية. ففي وقتٍ نادرٍ ما تتولى فيه امرأة رئاسة اتحاد رياضيّ لبنانيّ، استطاعت مراد أن تكسر الصورة التقليدية والنمطيّة، وأن تثبت أنّ القيادة الرياضيّة لا تُقاس بالنوع، بل بالكفاءة والقدرة على صناعة الفرق.

لكن فرادة نجوى مراد لا تكمن فقط في موقعها الإداري، بل في الطريقة التي تعيش بها هذه الرياضة. فهي ليست رئيسة تظهر في المناسبات الرسمية فقط، بل مدرّبة موجودة

في التفاصيل اليوميّة، قريبة من اللاعبين إلى جانب ممارستها هذه الرياضة الجميلة التي استقدمتها إلى لبنان منذ سنوات قليلة،
تتابع تطوّرهم، وتعيش انتصاراتهم وخساراتهم وكأنّها جزء شخصيّ من رحلتها الخاصّة والفريدة. وربما هنا تحديداً يكمن سرّ النجاح الذي بدأ يرافق المنتخب اللبنانيّ في رياضة الـ”بيكل بول”.

فهذه الرياضة التي لا تزال حديثة نسبياً في لبنان، تحوّلت خلال فترة قصيرة إلى مساحة واعدة للإنجاز اللبناني، خصوصاً مع المشاركات الخارجيّة التي بدأ فيها اسم لبنان يفرض حضوره تدريجياً على الساحة الدوليّة. ولم تأتي الميداليتين الذهبيتين اللتين حصدهما اللاعبون اللبنانيون في “دورة باريس

المفتوحة” التي اختُتمت الاحد الفائت من فراغ، بل نتيجة عمل طويل وإيمان حقيقي بأنّ لبنان قادر على المنافسة حتى في الرياضات الناشئة.

ففي دورة باريس المفتوحة، لم يكن الإنجاز
اللبناني مجرّد مشاركة عابرة. فقد نجح اللاعبون اللبنانيون في إحراز الذهبيّتين اللتين أكدتا أن لبنان بات منافساً حقيقياً في الـ”بيكل بول”، وأن المنتخب اللبناني قادر على مقارعة لاعبين كبار من دول تمتلك خبرات أكبر وإمكانات أوسع. واللافت أنّ هذا الحضور اللبناني المتصاعد ترافق مع صورة تنظيمية وفنيّة تعكس عملاً احترافياً تقوده مراد بإصرار واضح على وضع لبنان على الخريطة العالمية لهذه الرياضة.

وربما الأهمّ من النتائج نفسها، هو المشروع الذي تعمل عليه نجوى مراد بهدوء. فهي لا تتعامل مع الـ”بيكل بول” كلعبة موسمية أو موجة عابرة، بل كمشروع رياضي طويل الأمد يمكن أن يخلق جيلاً جديداً من اللاعبين
اللبنانيين، وأن يمنح الشباب مساحة مختلفة للتعبير عن طاقاتهم وأحلامهم. لذلك يبدو واضحاً تركيزها الدائم على نشر اللعبة، وتنظيم البطولات، وتوسيع قاعدة المشاركين، وإعطاء الرياضة بُعداً مجتمعياً يتجاوز حدود المنافسة فقط.
وفي بلدٍ اعتاد كثيرون فيه على ربط الرياضة بالأزمات والإحباطات، تبدو تجربة نجوى مراد مختلفة. تجربة تقول إنّ الشغف الحقيقي ما زال قادراً على صناعة شيء جميل، حتى وسط كلّ هذا التعب اللبناني. وأنّ الإرادة الفردية

أحياناً تستطيع أن تفتح أبواباً لم تكن موجودة أصلاً.

في الرياضة اللبنانيّة، هناك من يكتفي بالمناصب والألقاب، وهناك من يحوّل المنصب
إلى مساحة هدف وحلم وإنجاز. ونجوى مراد تبدو أقرب بكثير إلى الفئة الثانية. امرأة تؤمن بما تفعل، وتقاتل من أجل لعبة تحبها، وتبني مشروعاً رياضياً خطوة بخطوة، وتثبت يوماً بعد يوم أنّ النجاح لا يحتاج دائماً إلى الضجيج، بل إلى رؤية، وإصرار، وإيمان حقيقي بالفكرة.
وربما لهذا السبب تحديداً، لم تعد نجوى مراد مجرد رئيسة اتحاد رياضي، بل تحوّلت إلى بوصلة حقيقية للبنان على خريطة الـ”بيكل بول” العالميّة في ظل عشقها للبنان وطنها الأم،

وهي التي عاشت عقود عدة في الولايات المتحدة لتعود للعيش في وطن الأرز وتؤسس ناد متطوّر في بلدة غزير للرياضة التي عشقتها : البيكل بول.
فتحيّة علنية صادقة وصريحة إلى نجوى مراد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى