
نظّم رئيس “الرابطة السريانية” حبيب افرام بالتعاون مع أصدقاء وزير الخارجية السابق الراحل عبدالله بو حبيب لقاء تكريمياً في فندق “لو غبريال” في الاشرفية لمناسبة الذكرى السنوية الاولى لغيابه حضرته فاعليات سياسية وروحية واعلامية ورؤساء وأعضاء روابط مسيحية.
تحدث في الندوة على التوالي الوزير السابق ناصر ياسين، الوزير السابق كريم بقرادوني، السفير وليد حيدر، مستشار رئيس مجلس النواب علي حمدان، رئيس الرابطة المارونية مارون الحلو، رئيس الرابطة السريانية حبيب افرام، والسيد رشيد بو حبيب بإسم العائلة. وأدار اللقاء الصحافي حسين أيوب وإختتم بتويع كُتيب تحت عنوان “أوراقي الأخيرة”.
وقد عرض الوزير ياسين لتجربته مع زميله في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وتناول بقرادوني مسيرة بو حبيب في حزب الكتائب، وتطرّق السفير حيدر إلى الرحلات والاجتماعات الدبلوماسية التي رافق فيها الوزير السابق.
حمدان: وتحدث مستشار الرئيس بري عن “الدبلوماسي بو حبيب الذي يجمع الأضداد بمرونة عالية والثابت بالرغم من علاقته بالمحاور كلها”. وقال “دبلوماسي يصيغ المواقف بليونة نادرة لا تفارقه البسمة في أحلك الظروف. يتمتع بذاكرة روائية ويختزن آلاف الجيغابايت لكنها حاضرة بأدائه اليومي، إلآ أنها حارسته في معظم الأحيان لأنها تشكل له ضوابط متعددة السقوف”. أضاف حمدان “هو سهل ممتنع، أميركي المزاولة والمتابعة، شرقي الذاكرة بأصالة لبنانية استقاها من رومية مسقط رأسه ومرجعيته الأكثر ثباتاً”. وختم “هو إبن الصيغة اللبنانية لذا عمل بالدبلوماسية التوافقية ولإدراكه بالتحولات الحاصلة لبنانياً وعلى مستوى المنطقة”.
الحلو: وقال رئيس الرابطة المارونية مارون الحلو: “نجتمع اليوم في الذكرى السنوية الأولى لرحيل السفير والوزير الدكتور عبد الله بو حبيب، لا لنستحضر ذكرى رجلٍ شغل مناصب رفيعة فحسب، بل لنستعيد سيرة رجل دولة، وأكاديمي، ودبلوماسي، آمن بأن خدمة الوطن رسالة، وأن المسؤولية أمانة، وأن المعرفة هي الطريق الأصدق إلى صناعة المستقبل. تميّز على الدوام بأنه صاحب رأي، يعيش وفق قناعاته، ويسعى جاهدًا إلى إثبات صحة رأيه. لم يكن من أصحاب قلّ كلمتك وامشِ، ولم تكن السياسة عنده حديث صالونات، ومن بعدها Business as usual، بل كان دائمًا يسعى إلى جعل المحادثات طريقًا لتحقيق ما كان يؤمن به. ولعل أفضل ما كان يمتاز به عبد الله بو حبيب، هو أنه مهما اختلف مع من حاورهم، ولو احتدم النقاش، واحتدّ وارتفع صوته. يعرف دوماً كيف يفصل الخلاف في وجهات النظر عن العلاقات الشخصية، فكان يحترم الرأي الاخر ويقبل التنوع الفكري”.
اضاف: “تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت قبل أن أدخلها، غير أن بصماته فيها كانت لا تزال قوية، لاسيما في الرابطة اللبنانية التي كانت تضم الطلاب المتمسكين بهوية لبنان واستقلاله وسيادته وحكم القانون وحصر السلاح بيد الدولة، في مواجهة المجموعات الطلابية القومية واليسارية والفلسطينية التي كانت تضع قضايا التحرر العالمي والإقليمي والفلسطيني قبل مصلحة لبنان واللبنانيين. وكنا كثيرًا ما نسمع أن عبد الله بو حبيب الذي كان مضى إلى الولايات المتحدة لنيل الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة Vanderbilt ، فعل كذا وقال كذا وانخرط في مواجهة مع هذا الطرف أو ذاك من القوى المؤيّدة للفلسطينيين. التحق بالبنك الدولي في واشنطن، حيث أمضى سنوات طويلة مسؤولاً عن ملفات الشرق الأوسط واليمن وعدد من دول المنطقة، غير أننا كنا نتتبع نشاطه السياسي غير العلني في الجالية اللبنانية وأوساط الكتائبيين المؤيدين لبشير الجميل، لاسيما بعدما توثقت علاقاتي مع شقيقيه المرحومَين أنطوان وعادل. كنا في قضية واحدة، مرة جديدة، في مقاومة محاولات القوات السورية لفرض سيطرتها على لبنان والتحكّم بقراره السياسي، والتأثير على نمط الحياة فيه المتميّز بالتعلق الكبير بالحرية. وعندما انتُخب بشير الجميّل كان سيتولى مراكز قيادية في مصرف لبنان أو مجلس الإنماء والإعمار، لو كتبت الحياة للرئيس المنتخب”.
وأكد أنه “بالنظر إلى ما راكمه من خبرة دولية، وثقة مهنية، وحضور لافت، اختاره رئيس الجمهورية أمين الجميّل سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية، ليمثل وطنه في عاصمة القرار العالمي، في مرحلة كانت من أدق مراحل تاريخ لبنان. حينها، اختمرت تجربته السياسية، وكنت شخصياً ألمس ذلك في كل مرة زرت فيها الولايات المتحدة وبخاصة لأنه كان يحرص على أن يدعوني إلى لقاءات ومناسبات ونقاشات في العمق.وفي واشنطن، لم يكتفِ بأداء الدور الديبلوماسي التقليدي، بل أعاد تعريف معنى الديبلوماسية اللبنانية. أدرك باكراً أن قوة لبنان لا تكمن في مؤسساته الرسمية وحدها، بل أيضاً في أبنائه المنتشرين في العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيث تمتلك الجالية اللبنانية حضوراً سياسياً واقتصادياً وعلمياً مميزاً. ومن هذا الإدراك، عمل على تشجيع المؤسسات والجمعيات اللبنانية على توحيد جهودها والانخراط الفاعل في الحياة السياسية الأميركية، إيماناً منه بأن نجاح اللبناني في الاغتراب لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى قوة في خدمة وطنه”.
وأوضح أنه “كان من أبرز إنجازاته مساهمته المحورية في تأسيس فريق العمل الأميركي من أجل لبنان (American Task Force for Lebanon)، الذي أصبح خلال سنوات قليلة الصوت اللبناني الأكثر حضوراً في الكونغرس والإدارة الأميركية، وأحد أهم نماذج الدبلوماسية الاغترابية الناجحة. فقد سبق عصره حين أدرك أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُبنى بالسفارات وحدها، بل أيضاً بالشراكات، وبالانتشار، وبالقدرة على التأثير في مراكز القرار”.
تابع:”بعد سنوات من العمل الديبلوماسي، عاد إلى لبنان، مستشارًا لنائب رئيس الحكومة الأستاذ عصام فارس الذي سعى إلى أن يشكّل فريقًا مميّزًا من المستشارين، كان السفير بو حبيب من بينهم. وبعدما اعتزل الرئيس فارس الحياة السياسية، تولّى السفير عبد الله بو حبيب إدارة مؤسسة عصام فارس للدراسات والأبحاث، وجعل منها منارة للفكر الرصين، ومنبراً للحوار المسؤول، وملتقىً للعقول والاختصاصيين وصنّاع القرار. شكّل مركز عصام فارس، برئاسته، لعقد من الزمن مساحة حوارية وفكرية فريدة في لبنان، إذ كان يتلاقى فيه من تباعدت بهم السبل واستشرى بينهم الخصام، وفي زمنٍ كانت فيه الانقسامات السياسية تتسع. فقد آمن بأن الكلمة الحرة تستطيع أن تبني جسوراً حيث تعجز السياسة، وأن البحث العلمي ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة وطنية تسبق القرار وتوجّه الدولة”.
اضاف:”ثم انتُخب نائباً لرئيس الرابطة المارونية، فحمل إليها العقلية المؤسساتية نفسها التي ميّزت مسيرته. لم ينظر إلى الرابطة على أنها مؤسسة تقليدية، بل رأى فيها مساحة للعمل الوطني، فسعى إلى تحديث بنيتها، واستحدث لجاناً متخصصة، وبشكل خاص لجنة المناطق ولجنة إنماء الريف ولجنة الدراسات الاستراتيجية، وترأس لجنة الشؤون الاجتماعية التي نظّمت “العرس الجماعي” والعديد من النشاطات، ولا زلنا نلمس بوضوح بصماته التي تركها في الرابطة المارونية. و جاءت المحطة الأخيرة التي توّج فيها مسيرته العامة، حين عيّنه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ثقته، وزيراً للخارجية والمغتربين في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ لبنان الحديث. وكانت له مساهمة مهمة في التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024. وكم كنا لنستفيد لو أمهلنا القدر ونعرف ملابسات هذا الاتفاق ومراميه والظروف الحقيقية التي أوصلت إليه”.
ختم: “لعل ما ميّز عبد الله بو حبيب طوال مسيرته أنه لم يكن من رجال الضجيج، بل من رجال الأثر. لم يكن يسعى إلى الأضواء، بل إلى النتائج. لم يكن أسير اللحظة، بل كان ينظر دائماً إلى ما بعدها. وكان يؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالخطب، بل بالمؤسسات؛ وأن السياسة ليست صراعاً على السلطة، بل مسؤولية أخلاقية في خدمة الإنسان والوطن. إننا اليوم لا نؤبّن رجلاً غاب، بل نُحيّي قِيماً عاش لها: قيمة العلم، وقيمة الحوار، وقيمة التصالح مع العصر، وقيمة الدولة. رحم الله السفير والوزير الدكتور عبد الله بو حبيب، وجزاه عن لبنان خير الجزاء. وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة الوطن، لأن الزمن قد يطوي الأعمار، لكنه لا يطوي آثار الرجال الكبار، أولئك الذين لا يُقاسون بما نالوا من مناصب، بل بما تركوه من إرث، وما غرسوه من قيم، وما ألهموه من أجيال”.
أفرام: كانت كلمة لرئيس الرابطة السريانية حبيب افرام قال فيها: “في غياب عبد الله ما أوجع الغياب الغدار، فجأة يسرق من هو ضاج في الحياة والحضور حتى انك من فرط المحبة لم تحسب أبداً انه سيذوق هذه الكأس المرة – رغم وعينا لقدر الموت منذ جلجامش – ومع انه كان يردد “قديش بعد رح نبقى هون !؟ “. اكثر من ربع قرن من صداقة نسجت من رحم نضال وقضية، ومن رفقة يومية نحفر فيها الفرح رغم تحديات الايام الصعبة، لم نختلف يوماً لا في تقييم موقف او شخص، ولا في كيفية النظرة إلى الاحداث، ولا في التفتيش عن حلول، حتى صرنا توأمين في الفكر كما في مقاهي بول الجميزة ستاربكس الزلقا كاسبر ضبية ، كما في منير برمانا. عبد الله نموذج آخر للعقل الماروني، للالتزام التام والانفتاح والتلاقي، لوعي قوة الخارج وحدوده ايضاً، لصلابة الوحدة في الداخل لأنها متى تأمنت غلبت كل العراقيل، متواضع محب صريح مباشر دبلوماسي اقتصادي وقبل وبعد كل هذا انسان “.
اضاف:”كان يمكن ان يكون وزير خارجية بشير أو امين الجميل لكنه صار سفيراً للبنان والقضية في واشنطن ريغان، كان يجب ان يكون وزيراً في اول حكومات ميشال عون، حتى أتته في آخر حكومة للعهد السابق، لم يسع اليها ولا طلبها .تعرف علي العالم العربي وقياداته من ابوعمار إلى رؤساء وزعماء ابان عمله في البنك الدولي، حيث تشكل وعيه لتوازنات المنطقة، أدار مركز عصام فارس للدراسات واحة فكر وبحث وحوار ونشر شكل متنفساً رصيناً لنخب وقيادات – اي نظام اي قانون انتخابات يؤمن المناصفة اي إصلاح ؟ هل لبنان وطن مستحيل؟ هو الكتائبي من العائلة، ابن الرابطة اللبنانية في الجامعة الاميركية، ثم دكتور اقتصاد من جامعات اميركا، إلى البنك الدولي، إلى مركز فارس، إلى نائب رئيس الرابطة المارونية، إلى الحلقة الفكرية او الفريق او مجموعة السبت او المشروع كما سماها سفير شرقي، المتكوكبة حول فكرة عودة المسيحيين إلى الدولة – بعد طول تهميش – ، وعودة التوازن فيها، واستعادة القرار والحضور، والمتمركزة حول العماد ميشال عون الرمز الذي حاز على شبه اجماع اصوات المسيحيين آنذاك .كانت وحدة النظرة المسيحية هاجسنا – وجهدنا كثيراً – ، ووحدة اللبنانيين هدفنا. مئات الاجتماعات والأفكار والمشاريع والمقابلات والمذكرات جعلت عبد الله في قلب صناعة القرار والرأي .كان مارونياً بامتياز لبنانياً كامل الدسم، ميثاقياً – مع شكوك حول الصبغة -، رومياً حتى العشق، اميركياً بالعقل- مشدداً انها قامت على الحرية والهجرة – مشرقياً متفهماً معاناة المكونات مشاركاً معنا في كل نشاط”.
تابع :”عبد الله فهم الوزارة خدمة للناس وللوطن ، نادراً ما كنت ترى وزيراً دون حراسة ولا مواكبة ولا أمن، يقود سيارة هوندا موديل 2010 في زواريب بيروت او برمانا، بالجينز والقميص غير آبه لا بموضة ولا بماركات ولا بروتوكولات، سافر اكثر من سبعين مرة وزيراً ولعب ادواراً سرية بين واشنطن وطهران – كنت احثه على كتابة هذا الفصل – واعاد تنظيم الوزارة رغم الفراغ الرئاسي وغياب الإمكانيات .احلى الصداقات هذه المتأرجحة بين فار نينتي والتفكير خارج الصندوق -ماذا يمكن ان نفعل بعد – والمجبولة بهاجس السياسة والنضال والتحالف وما يبقى بعد اي منصب او موقع، عملنا معاً، تسامرنا معاً، مع ضمة اصدقاء كانوا ثروته من خلية السبت -مع سليم جريصاتي وجبران باسيل وكريم بقرادوني، من سينشر دورها وحواراتها الحقيقية-، وضمة الأربعة بشكل خاص، دولتو ايلي الفرزلي، جان عزيز، عبد الله وانا، من صباحات الاحد في ضبية مع جورج غانم، السفير انطونيو عنداري، هادي راشد، سيمون ابو فاضل، إلى عشاءات الاحد في كل مكان مع د ايلي مخايل فرنسوا حنوش، ربيع الهبر،ادمون شماس، إلى يوميات الغداء مع مروان ابو فاضل وفادي حافظ ثمً السفير وليد حيدر – رمز الوفاء، إلى سرقة كل ساعة لنتبادل معلومات ونتفق على رأي وموقف، لا غرّته الدنيا، ولا أفسدته السياسة، ولا ادعى بطولات، ولا قيادة، ولا نبوة، ولا طمح لجماهير، ولا جن لكرسي – كما قال ميشال اده عن المس الذي يصيب الموارنة مرة كل ست سنوات -لم يعرف الحقد يوماً حتى للذين هاجموه ، لأنه طيب، وزادته زوجته جولي – التي وعدها في عشائه الاول معها طلاباً في الجامعة انه سيكون رئيساً للبنان- رقة وحناناً بهدوئها وتفهمها ووقوفها معه في كل الظروف ، كما راحته واطمئنانه لمسار اولاده .كان يردد جواباً على من يسأله لماذا عدت إلى بيروت قائلاً: الطقس والطبيعة أروع، الأكل افضل – وكان لمنقوشة صباحيةً من فرن رومية طعم الوطن- ثم الأصدقاء الذين تراهم حولك دائماً “.
ختم: “قبل يوم من وفاته كنا معاً نقدم واجب العزاء بغياب قريب لزوجة رئيس سابق، كانت القاعة شبه خالية ، قال لي “عجيب امر اللبنانيين لو توفي ابان العهد السابق لما أمكننا ان نصل من عجقة التافهين”. كأن قطعة مني قد هوت. صامتاً ، يوماً بعد يوم ادركت ان جزءاً مني سبقني، وان الأقدار بكرت – كان بعد ينتظرنا فرح اكثر وحوارات نسيت ان أجريها واسرار علقت في بالي -عبد الله لقد أنعم الله علي بأصدقاء ذخيرة عمر لكني اشكر العناية اني اقدر ان أضعك على رأس اللائحة .سنبقى نحبك ونشتاق لتراب رومية كرمى لك .لقد نقشوا على ” الماين غايت” في الجامعة الاميركية في شارع بلس آية “لتكون لهم حياة وتكون حياة افضل”، لكن نحن أصدقاءك نعترف لن تكون لنا حياة افضل دونك !أقول هذا وفي قلبي غصة سأحملها معي نادماً على كل ما لم نتقاسمه معاً”.



