فادي شربل داود- رفقا في دير القمر… حين خبّأت طفلاً تحت ثوبها الأسود !

 

كتب فادي شربل داود

في صيف عام 1860، كان جبل لبنان يغلي كالمرجل.

القرى ترتجف على وقع الأخبار، والدروب الحجرية الممتدة بين التلال تحمل الخوف أكثر مما تحمل المارة. كانت السماء نفسها تبدو كأنها تسمع صراخ الناس وصلواتهم. وفي قلب ذلك الزمن المشتعل، كانت بلدة دير القمر تقف كعروس حزينة تنتظر مصيرها.

هناك، وسط البيوت الحجرية والكنائس القديمة والساحات التي كانت تضج بالحياة، وصلت شابة هادئة الملامح تُدعى الأخت بطرسية، التي سيعرفها العالم لاحقًا باسم القديسة رفقا.

لم تكن قد جاءت لتخوض حربًا، ولا لتشهد مذابح.

جاءت لتعلّم الفتيات القراءة والكتابة والتعليم المسيحي، وتحمل إليهن شيئًا من نور الإنجيل في زمنٍ بدأ الظلام يزحف إليه.

كانت رفقا يومها في أواخر العشرينيات من عمرها. هادئة بصورة لافتة، قليلة الكلام، كثيرة الصلاة. تدخل الصف بابتسامة صغيرة ووجه مغمور بالسكينة، فيما كانت رياح التوتر الطائفي تزداد قسوة في الجبل. أقامت مع راهبات مريميات أخريات، وعملت قرب الآباء اليسوعيين الذين كانت لهم رسالة تربوية وروحية في البلدة. لكن أحدًا لم يكن يدرك أن تلك الراهبة الشابة ستتحول بعد أشهر قليلة إلى شاهدة على واحدة من أفظع صفحات لبنان الدامية.

كانت دير القمر آنذاك مدينة مزدهرة ومركزًا سياسيًا وثقافيًا مهمًا. غير أن ازدهارها جعلها أيضًا في قلب العاصفة. ومع تصاعد الفتن، بدأت البلدة تُحاصر شيئًا فشيئًا. خاف الناس، لكنهم تمسكوا بالأمل، خاصة عندما وعدتهم الحامية العثمانية بالحماية إن سلّموا سلاحهم.

سلّم الأهالي بنادقهم على رجاء الأمان.

لكن الأمان لم يأتِ.

في حزيران من ذلك العام، انفتحت أبواب الجحيم على البلدة.

اقتحم المسلحون الأزقة والساحات والبيوت، وبدأت المجازر. ارتفع الصراخ من خلف الجدران، وسقط الرجال والشبان والأطفال في الطرقات. احترقت المنازل، ونهبت الممتلكات، وغرقت المدينة بالدم والدخان.

وسط ذلك الخراب، كانت رفقا ترى كل شيء بعينيها.

رأت أمهات يركضن بأطفالهن، ورجالًا يسقطون قرب الكنائس، ووجوهًا مذعورة تبحث عن خلاص. كانت تسمع قرع الأجراس مختلطًا بأصوات الرصاص والنار. ومع ذلك، لم تنهَر. لم تهرب من رسالتها. كانت تتحرك بين الناس بقلب مرتجف إنسانيًا، لكنه ثابت بالإيمان.

وفي إحدى اللحظات التي بقيت محفورة في الذاكرة اللبنانية، حدث ما يشبه مشهدًا من الإنجيل.

كان طفل صغير يركض مذعورًا في أحد أزقة البلدة.

وجهه شاحب، وأنفاسه متقطعة، وخلفه مسلحون يلاحقونه. لمحته رفقا في لحظة خاطفة. لم تفكر بنفسها، ولم تحسب الخطر. فتحت ثوبها الرهباني الأسود بسرعة، وضمت الطفل إلى جسدها، وأخفته تحت الرداء.

وصل المهاجمون بعد ثوانٍ.

وقفوا أمام الراهبة الشابة وسألوها عن الطفل الهارب.

لكن رفقا لم ترتجف.

رفعت نظرها بهدوء عجيب، وثبتت في مكانها بوقار الرهبنة وقوة الإيمان. ربما شعر أولئك الرجال بشيء لا يُفسَّر. ربما خجلوا من انتهاك حرمة الثوب الأسود، أو ربما مرت أمامهم للحظة صورة أمٍ تحمي ولدها. تراجعوا أخيرًا، وغادروا المكان.

وبقي الطفل حيًا تحت عباءة راهبة.

منذ تلك اللحظة، لم تعد رفقا كما كانت.

لقد دخلت المجزرة إلى أعماق روحها.

رائحة الدم، وصراخ الأبرياء، وصور الشهداء في الأزقة، كلها بقيت تسكن ذاكرتها. وعندما انتهت المذابح، اضطرت الراهبات إلى مغادرة البلدة المنكوبة مع الناجين. مشت رفقا مع النازحين على الطرقات الجبلية نحو كسروان، بأقدام متعبة وقلب مثقل بالمشاهد التي رأتها.

هناك بدأ التحول الكبير في داخلها.

شعرت أن العالم صار أكثر وجعًا مما كانت تظن، وأن الإنسان لا يستطيع أن يواجه هذا الشر إلا إذا التصق بالله بالكامل. لم تعد الحياة الخارجية تشبع توقها الداخلي. صار الصمت يجذبها، والصلاة الطويلة تستهويها، والآلام البشرية تقترب من قلبها بطريقة عميقة.

ولعل ما رأته في دير القمر هو الذي مهّد لاحقًا لصلاتها الشهيرة، حين طلبت من المسيح أن يشركها في آلامه. وكأن تلك الدماء التي شاهدتها في شبابها زرعت في روحها استعدادًا خفيًا لحياة الألم التي ستعيشها فيما بعد، من العمى إلى الشلل إلى العذاب الطويل الذي حوّلها إلى قديسة الألم والصبر.

واليوم، بعد أكثر من قرن ونصف على تلك الأحداث، ما زالت البلدة تحتفظ بذكرى تلك الراهبة التي خبّأت طفلًا تحت ثوبها وانتزعت حياته من بين أنياب الموت. ففي باحة كنيسة سيدة التلة، يقف تمثال برونزي لـ القديسة رفقا يجسد تلك اللحظة المؤثرة: رفقا فاتحةً عباءتها لتحمي الطفل الصغير، كأن البرونز نفسه صار صلاةً ضد الحروب.

إنها صورة تختصر لبنان كله:

راهبة ضعيفة بالجسد، لكنها أقوى من السيف، لأن قلبها كان ممتلئًا بالله.

 

يا رب،

أنت الذي حفظت الطفل تحت ثوب رفقا في زمن المجازر،

احفظ لبنان من جنون الكراهية،

ولا تسمح أن تعود الدماء لتغطي طرقاته وكنائسه.

أعطنا قلبًا يشبه قلب رفقا،

هادئًا وسط العواصف،

وشجاعًا وسط الخوف،

ورحيمًا في زمن القسوة.

علّمنا أن نحمي الإنسان قبل الطائفة،

وأن نرى في كل طفل وجهك الإلهي البريء.

يا قديسة رفقا،

يا من خبأتِ الحياة تحت ثوبك الأسود،

خبّئي لبنان تحت صلاتك،

ليمرّ من النار إلى القيامة.

آمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى