د. هلا السعيد تكتب : بين تكبيرات العيد .. وقلوبٍ تُخفي ما لا يُقال

 

مع أول تكبيرةٍ تُعلن اقتراب عيد الأضحى، تهتزّ القلوب بمشاعر لا تشبه بعضها أبدًا… هناك من يستقبل العيد بفرحٍ يشبه الأطفال، يجهّز ثوبه الجديد، ويرتب لقاءاته، ويعدّ الأيام بلهفة. وهناك من يسمع التكبيرات فتوقظه الذكريات، وتفتح داخله أبوابًا حاول طويلًا أن يغلقها.

“الله أكبر… الله أكبر… لا إله إلا الله” ليست مجرد كلمات تُقال، بل مشاعر تمشي بين الناس، تدخل البيوت، وتلامس الأرواح بصمت. في العيد تتشابه الأصوات، لكن القلوب مختلفة… قلبٌ ممتلئ بالامتنان لأن الله أعطاه ما تمنى. وقلبٌ آخر يتمنى فقط أن يمر العيد بسلام دون أن يسأله أحد: “ليش شكلك حزين؟”

كم من شخص يضحك في صباح العيد بينما داخله مزدحم بالتعب؟ وكم من أمٍّ تخبئ قلقها خلف ابتسامة حتى لا يشعر أبناؤها بالنقص؟ وكم من أبٍ يحمل فوق كتفيه هموم الدنيا، لكنه يحاول أن يصنع فرحة صغيرة لأسرته وكأن الحياة بخير دائمًا؟

العيد ليس للجميع كما نظن… هناك من يفتقد وجهًا كان يملأ البيت حياة، ومنذ رحيله أصبحت التكبيرات ممزوجة بالحنين. هناك من ينتظر دعوة شفاء لمريض، أو فرجًا لضيق، أو خبرًا يطمئن قلبه. وهناك من يعيش بين الناس لكنه يشعر بوحدةٍ لا يراها أحد.

ومع ذلك… يبقى للعيد سرٌّ غريب. فمهما أثقلتنا الحياة، تأتي التكبيرات وكأنها تقول لنا: “ما دام الله أكبر… فلا شيء أكبر من رحمته”. الله أكبر من حزنٍ سكن القلب. وأكبر من خوفٍ أخفيناه طويلًا. وأكبر من تعبٍ ظننا أنه لن ينتهي.

في زحمة الحياة ننسى أحيانًا أن الأعياد ليست بكثرة المال، ولا بالمظاهر، ولا حتى بالازدحام حولنا… العيد الحقيقي أن نجد في قلوبنا سلامًا، وفي أرواحنا قدرة على الاستمرار رغم كل شيء. أن نتصالح مع ما فقدناه، وأن نؤمن أن الله يعوض القلوب الصابرة بطريقة لا نتوقعها.

ومع تكبيرات عيد الأضحى، ربما نحن بحاجة لأن نعيد ترتيب أرواحنا قبل بيوتنا… أن نسامح، أن نخفف أحكامنا على الآخرين، أن نقترب ممن نحب، وأن ندرك أن كل إنسان يحمل معركة لا يتحدث عنها. ليس مطلوبًا أن نكون بخير دائمًا… لكن يكفي أن نحاول، وأن نؤمن أن بعد التعب راحة، وبعد الضيق فرجا، وبعد كل ليلٍ طويل يأتي صباح مختلف.

وفي النهاية .. بعض القلوب لا تحتاج في العيد هدية، بل تحتاج كلمة طيبة، واحتواء، ودعوة صادقة من قلبٍ يحبها. فكل عام وقلوبكم وإن أثقلها التعب… تجد من يربّت عليها بحب. وكل عام وأنتم أقرب لله، وأقرب لأنفسكم، وأكثر سلامًا من الداخل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى