
احتفل صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، بقداس تجديد تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، في بازيليك سيدة لبنان – حريصا، يعاونه لفيف من السادة المطارنة والكهنة، وبمشاركة حشد كبير من المؤمنين الذين توافدوا للمشاركة في هذه المناسبة الروحية التي تحوّلت إلى محطة سنوية ثابتة في حياة الكنيسة المارونية ووجدان اللبنانيين.
وكانت بداية الاحتفال مع كلمة للأب خليل علوان، رئيس مزار سيدة لبنان، رحّب فيها بصاحب الغبطة والحضور، مؤكّدًا أهمية هذا التقليد الروحي الذي يجدّد من خلاله اللبنانيون وأبناء بلدان الشرق الأوسط والانتشار عهدهم لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، ويستودعون الله أوطانهم وشعوبهم في زمن تكثر فيه التحديات والمخاطر.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الراعي عظة ركّز فيها على عمل الروح القدس في حياة الكنيسة والمؤمنين، انطلاقًا من وعد المسيح لتلاميذه بإرسال المعزّي الذي يعلّم ويذكّر ويقود إلى الحقيقة. وأوضح أن الروح القدس لا يزال يعمل في الكنيسة والعالم، فيبدّل الخوف رجاءً، والاضطراب سلامًا، واليأس ثقةً بالله، ويمنح الإنسان القدرة على قراءة الأحداث بنور الإيمان لا بمنطق القلق والخوف.
وتوقّف غبطته عند الواقع الذي يعيشه لبنان والمنطقة، معتبرًا أن الصلاة اليوم تكتسب معنى أعمق في ظل ما تشهده الأرض من آلام وسقوط ضحايا أبرياء، مستذكرًا شهداء الجيش اللبناني وكل من سقطوا نتيجة أعمال العنف والاضطرابات، ومؤكدًا أن الكنيسة ترفع صلاتها من أجلهم ومن أجل عائلاتهم، ومن أجل أن يحلّ السلام والاستقرار في لبنان والمنطقة.
وشدّد البطريرك الراعي على أهمية مواهب الروح القدس، ولا سيما القوة والمشورة والتقوى، معتبرًا أنها تشكّل حاجة أساسية في هذه المرحلة الدقيقة، لأنها تمنح الإنسان القدرة على الثبات في وجه الصعوبات، وتساعد المسؤولين على اتخاذ القرارات الحكيمة، وتعيد توجيه المجتمعات نحو القيم الأخلاقية والإنسانية التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون الخير العام.
وأكد غبطته أن لبنان، رغم كل ما يمرّ به من أزمات وتحديات، مدعوّ إلى أن يبقى أرض لقاء ورسالة حرية وكرامة وتعددية وعيش مشترك، مشددًا على أن الشعوب التي أنهكتها الحروب تتطلّع إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، وأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على منطق المواجهة والصراعات، بل على الحوار والحكمة والإرادة الصادقة في البحث عن حلول تحفظ الإنسان وتصون استقرار الأوطان.
كما عبّر عن أمله بأن تحمل الجهود والاتصالات القائمة ثمارًا إيجابية تساعد على إبعاد شبح الحروب عن شعوب المنطقة، وتفتح أبواب الاستقرار والطمأنينة، مؤكدًا أن الرجاء المسيحي يبقى أقوى من الخوف واليأس، وأن الله لا يترك الشعوب التي تضع ثقتها به.
ورأى البطريرك الراعي أن فعل التكريس الذي يجدّده المؤمنون كل عام ليس مجرد ممارسة تقوية أو ذكرى سنوية، بل هو فعل إيمان وثقة بالمستقبل، وتجديد للعهد مع الله، وإعلان بأن لبنان وبلدان الشرق الأوسط وأبناء الانتشار يضعون أنفسهم تحت حماية قلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، مستمدّين منهما القوة لمواجهة التحديات والرجاء لعبور المحن.
وقد تجسّد هذا المعنى في نصّ التكريس الذي تُلي خلال الاحتفال، حيث توجّه المؤمنون إلى قلب يسوع الأقدس بوصفه ينبوع الحب والرحمة والخلاص، واضعين بين يديه لبنان والشرق الأوسط وبلدان الانتشار، سائلين أن تبقى شعوب هذه البلدان ثابتة في الإيمان والرجاء والمحبة. كما أوكلوا إلى شفاعة مريم الطاهر، أمّ المخلّص، مسيرة الكنيسة والمؤمنين، راجين أن تقودهم دومًا إلى المسيح وأن تحفظهم في أزمنة القلق والتحديات.
وتضمّن فعل التكريس التزامًا متجدّدًا بالعيش وفق مقتضيات الإنجيل، من خلال نبذ الخطيئة والانقسامات والعنف، والعمل من أجل المصالحة وتقوية روابط الأخوّة والمحبة. كما رُفعت الصلوات من أجل الأساقفة والكهنة والرهبان والعلمانيين، لكي يعضدهم الله في رسالتهم، ومن أجل احترام الحياة البشرية منذ نشأتها حتى نهايتها الطبيعية، وصون كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته الأساسية.
كذلك شملت الطلبات الصلاة من أجل العائلات اللبنانية والشرقية للمحافظة على قدسية الزواج وترسيخ الإيمان في البيوت، ومن أجل أن يسود السلام في القلوب والمجتمعات، وأن يتمكّن المسؤولون السياسيون من العمل بروح الحكمة والمسؤولية لتأمين الخير العام. ودعا المؤمنون أيضًا إلى إعطاء الله الأولوية في حياتهم، متحرّرين من الانشغالات المادية والاستهلاكية التي تُضعف الحياة الروحية وتُبعد الإنسان عن جوهر رسالته.
وفي ختام الاحتفال، ألقى المطران نبيل الحاج كلمة شكر فيها صاحب الغبطة على تلبيته الدعوة السنوية للمشاركة في هذا الاحتفال، وعلى مواكبته الدائمة لهذه المسيرة الروحية. ثم وقف الجميع بخشوع للمشاركة في قراءة فعل التكريس، مجدّدين تسليم لبنان وبلدان الشرق الأوسط والانتشار إلى قلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، في مشهد إيماني جامع ارتفعت فيه الصلوات من أجل السلام والرجاء والاستقرار.
وعند انتهاء القداس والاحتفال بالتكريس، حلّقت طوافة تابعة للجيش اللبناني فوق باحة مزار سيدة لبنان في حريصا، ونثرت الورود على المؤمنين المحتشدين في المزار، في مشهد احتفالي مفعم بالفرح والرجاء. وقد شكّل هذا المشهد تعبيرًا رمزيًا عن البهجة الروحية التي رافقت تجديد تكريس لبنان والشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، فيما ارتفعت القلوب بالصلاة والشكر، متشبثةً برجاءٍ لا تُطفِئُه العواصف، ومجدّدةً إيمانها بأنّ لبنان سيبقى أرض رسالةٍ وشهادةٍ وحضور، مهما اشتدّت التحديات وتعاظمت المحن.
وفي لحظةٍ اتّسمت بالخشوع والرجاء، بدا فعل التكريس أكثر من صلاة جماعية، إذ شكّل إعلانًا متجدّدًا للثقة بالله وسط التحوّلات التي تعصف بالمنطقة، وتأكيدًا على أن لبنان مدعوّ إلى البقاء وطن الرسالة والحرية والشهادة للعيش المشترك. ومن حريصا، حيث ترتفع الصلاة على مرأى البحر والجبل، تجدّد الوعد بأن يبقى الرجاء أقوى من الخوف، وأن تظلّ رسالة لبنان الروحية والإنسانية شعلة نورٍ لا تنطفئ في الشرق والعالم.




