
عبير بركات
في حياة كل إنسان محطات لا تعدها السنوات وحدها، بل تصنعها التجارب، وترويها المواقف، وتحفظها الذاكرة. وعندما أقف اليوم عند محطة جديدة من العمر، وأتأمل رحلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، أدرك أن العمر ليس رقما يكتب في الأوراق، بل قصة طويلة من الأحلام والعمل والنجاحات والتحديات.
في مثل هذا اليوم من عام 1975 بدأت رحلتي مع الحياة. لم أكن أعلم آنذاك أن الأيام ستحمل في طياتها كل هذه الأحداث، وأن السنوات ستنسج من تفاصيلها مسيرة تجمع بين الإعلام والثقافة والأدب وخدمة المجتمع. مرت الأعوام سريعة كأنها ومضة، لكنها تركت في القلب والذاكرة أثرا لا يمحى.
تعلمت منذ البدايات أن النجاح لا يأتي صدفة، وأن الطموح يحتاج إلى صبر وعمل وإيمان بالهدف. فكانت المعرفة رفيقة الطريق، وكانت الكلمة بوصلتي التي أهتدي بها في مسيرتي المهنية والثقافية. ومن خلال العمل في المؤسسات الثقافية والإعلامية أدركت أن الرسالة الحقيقية للإعلام لا تقتصر على نقل الخبر، بل تمتد إلى بناء الوعي وتعزيز القيم وصناعة الأثر الإيجابي في المجتمع.
ومن المحطات التي أعتز بها في هذه الرحلة عملي في إدارة مكتبة جدة العامة، تلك التجربة التي منحتني فرصة القرب من عالم الثقافة والمعرفة، وأسهمت في تعزيز إيماني بأن الكتاب سيظل أحد أهم أدوات بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
ثم جاءت تجربة العلاقات الإعلامية الدولية التي فتحت أمامي آفاقا أوسع للتواصل الثقافي والإعلامي، وأكدت لي أن الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود وصناعة جسور التفاهم بين الشعوب والثقافات.
ومع مرور السنوات كان الحلم يكبر، حتى جاء تأسيس ملتقى العلاقات العامة والإعلام في العصر الرقمي، ليكون مساحة تجمع المهنيين والخبراء والإعلاميين وصناع المحتوى، ومنصة للحوار وتبادل الخبرات ومواكبة التحولات المتسارعة في عالم الإعلام الحديث.
ولأن الأدب ظل يسكن القلب منذ البدايات، كان تأسيس ملتقى أوتار الحروف للإبداع الأدبي محطة خاصة ومميزة، جمعت الشعراء والكتاب والمثقفين في فضاء يليق بالكلمة الجميلة والفكر الراقي والإبداع الأصيل.
وخلال هذه المسيرة كانت المؤلفات والبحوث والمقالات والقصائد جزءا من رحلة طويلة مع الحرف، كما شكلت الجوائز والتكريمات والعضويات المحلية والعربية والدولية محطات تقدير أعتز بها، لا بوصفها غاية، بل باعتبارها مسؤولية تدفعني إلى مواصلة العمل والعطاء.
لكن الحقيقة التي تعلمتها بعد واحد وخمسين عاما أن أجمل ما يحققه الإنسان ليس المناصب ولا الشهادات ولا الأوسمة، بل القلوب التي يكسبها في طريقه، والأثر الذي يتركه في حياة الآخرين، والدعوات الصادقة التي ترافقه دون أن يعلم.
لقد كبرنا وتعلمنا، وربحنا الكثير من الخبرات، وخسرنا بعض الأحبة الذين ما زالت ذكراهم تسكن الوجدان. واجهنا لحظات فرح لا تنسى، ومررنا بتحديات قاسية صنعت منا أشخاصا أكثر قوة وإصرارا. وكل محطة كانت درسا، وكل تجربة كانت إضافة، وكل عثرة كانت خطوة نحو نضج أكبر وفهم أعمق للحياة.
واليوم، وأنا أحتفل بعام جديد من العمر، لا أنظر إلى السنوات التي مضت بحزن على رحيلها، بل بامتنان لكل ما قدمته لي من دروس وتجارب وذكريات. فلكل مرحلة جمالها، ولكل محطة أثرها، ولكل إنسان مر في حياتي فضل لا أنساه.
شكرا لكل من كان جزءا من هذه الرحلة.
شكرا لكل ذكرى صنعتني.
شكرا لكل نجاح علمني.
وشكرا لكل عثرة جعلتني أقوى.
واحد وخمسون عاما من العمر.
واحد وخمسون عاما من الحكايات.
واحد وخمسون عاما من الأمل.
وما زال في العمر حلم.
وما زال في القلب نبض.
وما زال للأثر بقية.
أحمد عبدالغني الثقفي
1975 – 2026
خمسون عاما وتمضي الحكاية
خمسون عاما وما زال في الروح بستان
يزهو بأحلام عمر ما انحنى للحرمان
في مثل هذا اليوم أقبلت للحياة إنسان
لا يعلم الغيب ولا يدري خفايا الأزمان
يمشي بخطو البراءة فوق درب الأمان
ويرسم الآمال في قلب صغير ولهان
كبرت عاما فعاما بين أهل وخلان
أتعلم الدرس من الأيام والحدثان
وأجمع الحرف نورا في دفاتر وجدان
وأزرع الفكر في أرض المعالي والإحسان
ورأيت للدرب أفراحا وللدرب أحزان
ولكل فجر بشائر بعد طول دخان
كم صاحب صافح الدنيا وغاب بلا عنوان
وكم حبيب ترك الأشواق تسكن أجفان
وكم صديق جميل الذكر باق إلى الآن
وكم دعاء كريم كان خير الأوطان
سافرت في رحلة الفكر الرحبة والأكوان
وحملت للكلمة البيضاء أسمى بنيان
وجعلت من الإعلام جسرا بين إنسان وإنسان
ومن الثقافة نهرا يروي ظمأ الوجدان
وعشقت أوتار حرف في ميادين البيان
حتى غدت للكلام العذب أجمل ألحان
وأسست للخير ملتقى يجمع أهل الشأن
فيه المحبة والإبداع والإتقان
ورأيت في الناس أخلاقا تزين الإنسان
وأدركت أن البقاء الطيب للعرفان
ما العمر إلا محطات تمر بلا استئذان
لكنها تترك الذكرى على مر الأزمان
خمسون عاما وواحد فوقها في الميدان
ما زلت أحمل حلمي رغم طول الطوفان
ما زلت أؤمن أن الخير يولد من الإيمان
وأن بذور العطاء تزهر في كل مكان
ما زلت أبحث عن أثر يبقى مع الإنسان
إذا توارى الجسد يوما وغاب عن الأعيان
شكرا لأمي ولأبي ولكل من كان سندا وأمان
ولكل قلب دعاني في السر بالإحسان
شكرا لأصحاب دربي وللأهل والإخوان
ولكل من علمني حرفا أو منحني امتنان
شكرا لسنوات عمري بكل ما فيها من ألوان
بما حملت من نجاح وبما أخفت من أشجان
فاليوم أقف مبتسما رغم التعب والأحزان
وأقول الحمد لله في السر والإعلان
واحد وخمسون عاما من الحكايات والألحان
واحد وخمسون عاما من الطموح والوجدان
واحد وخمسون عاما وما زال في القلب نبضان
نبض للأهل والأحباب ونبض لهذا الكيان
وما زال في العمر حلم يلوح خلف الأفق الفتان
وما زال للأثر بقية تكتبها الأيام بإتقان
شاعر أوتار القلم
أحمد عبدالغني الثقفي
#51_عاما_من_العطاء
#أحمد_عبدالغني_الثقفي
#محطات_من_حياتي
#رحلة_عمر
#الأثر_الباقي



