
بقلم: حافظ النيفر
ليس كل عرض فني يُقاس بحرارة التصفيق، وليس كل نجاح تصنعه الأرقام أو امتلاء المدارج. هناك عروض تترك أثرها في الوجدان أكثر مما تثير الضجيج، وهذا ما فعله ظافر يوسف في سهرته ضمن الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن ظافر يوسف لا يسعى إلى استمالة الجمهور بالمألوف، بل يدعوه إلى مغادرة منطقة الراحة والانخراط في تجربة موسيقية تتطلب الإصغاء والتأمل. لذلك، لم يكن مشروع “شيراز” مجرد مجموعة مقطوعات موسيقية، بل رؤية فنية متكاملة تمزج بين الجاز والعود والنفَس الصوفي، في عمل يحمل بصمة فنان عرف كيف يجعل من هويته المحلية لغة عالمية.
تميّز العرض ببناء موسيقي محكم، حيث تنقلت المقطوعات بسلاسة بين الهدوء والانفجار الإبداعي، بينما حافظت الفرقة الموسيقية على انسجام لافت، كشف عن عمل جماعي مدروس بعيدًا عن الارتجال المجاني أو الاستعراض التقني.
أما ظافر يوسف، فقد كان حاضرًا بصوته وعزفه وشخصيته الفنية الهادئة، مقدمًا درسًا في أن الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى الصخب كي يفرض حضوره. فقد ترك للموسيقى أن تتحدث، وللصمت بين النغمات أن يؤدي دوره في بناء المعنى والإحساس.
ولعل أبرز ما ميّز السهرة هو احترام الجمهور لخصوصية هذا المشروع الفني. فرغم أن موسيقى ظافر يوسف ليست من الأعمال التي تُستهلك بسرعة، فإنها استطاعت أن تخلق تواصلًا حقيقيًا مع جمهور جاء ليستمع، لا ليبحث عن الفرجة السريعة.
لقد أثبت مهرجان الحمامات الدولي، مرة أخرى، أن نجاحه لا يكمن فقط في استضافة الأسماء اللامعة، بل أيضًا في الدفاع عن الفن الجاد، وإتاحة المجال للمشاريع الموسيقية التي تراهن على الجودة والابتكار.
في النهاية، لم يغادر الجمهور وهو يردد أغنية بعينها، بل خرج محملًا بإحساس مختلف؛ إحساس بأن الموسيقى ما تزال قادرة على الارتقاء بالذائقة، وأن ظافر يوسف يواصل، بثبات، كتابة اسمه كأحد أبرز الموسيقيين العرب الذين جعلوا من الفن رسالة تتجاوز الحدود واللغات.



